الإيمان بالله فطرةً تسبق العقل والمنطق

الإيمان الفطري بالله ليس لقطةً تُحفظ دون عناية، بل هو بذرةٌ تحتاج إلى رعاية حتى تنمو وتُثمر يقينًا حيًّا راسخًا. وأول ما تحتاجه هذه البذرة هو التأمل الحر في الكون...
الإيمان بالله

الإيمان بالله فطرةً تسبق العقل والمنطق

قبل أن يتعلم الطفل اسم الله، وقبل أن تبلغه حجةٌ أو تستوقفه آية، ثمة شيءٌ في أعماقه يتجه نحو المطلق في لحظات الخوف والانكسار والدهشة، يرفع بصره إلى السماء حين يضيق، ويشعر بأن ثمة من يسمع حين يصمت الجميع. هذا ليس تلقينًا ولا إرثًا ثقافيًا وحسب، بل هو نداءٌ يصدر من صميم التركيبة الإنسانية التي لم تُخلق فارغة، بل خُلقت مفطورةً على معرفة خالقها والميل إليه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”، وهو نصٌّ لا يُثبت الفطرة فحسب، بل يجعلها عنوانَ الدين كله وجوهره الأول، وقد أكّد النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: “كل مولودٍ يُولد على الفطرة”، فجعل الإيمان أصلًا والانحراف عنه طارئًا، وهو ما يقلب كثيرًا من المفاهيم الشائعة التي تصوّر الإنسانَ يبدأ فارغًا ثم تملؤه البيئة.

الفطرة ليست وهمًا.. وشواهد العقل تؤكدها

قد يقول قائلٌ إن هذا الإحساس الفطري ليس دليلًا بذاته، وإن الأحاسيس الوجدانية قد تكون وهمًا يصنعه الخوف أو الحاجة النفسية. والجواب أن الفطرة ليست مجرد شعور عابر، بل هي توافقٌ كوني لافت؛ إذ لم يُعثر في تاريخ البشرية على أمةٍ عاشت دون أي إحساس بالقدسي أو المتعالي، حتى قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إن الدين ظاهرةٌ إنسانية كونية لا تقبل الاستثناء، وهذا الإجماع الإنساني عبر الزمان والمكان دليلٌ لا يُردّ على أن الأمر يتجاوز المصادفة الثقافية إلى ما هو مُودَعٌ في عمق الفطرة ذاتها، ثم إن العقل حين يتأمل في منظومة الوجود لا يعجز عن الوصول إلى نتيجة أن هذا الكون المنظّم البديع، بقوانينه الدقيقة ونسبه المحكمة وتناسق مكوناته، لا يمكن أن يكون وليد العشوائية، فالعشوائية تُنتج الفوضى لا النظام، والصدفةُ لا تنسج قوانين ثابتة يبني عليها الإنسان علمًا وحضارة. وقد ذهب كثيرٌ من كبار علماء الفيزياء والفلك إلى أن الدقة الرياضية المذهلة في قوانين الكون تستعصي على التفسير العشوائي، مما جعل بعضهم يتحدث عن ما يشبه “العقل الكوني” الذي أُسّس عليه هذا النظام.

حين تُطمس الفطرة.. وكيف تعود

الفطرة راسخةٌ لكنها ليست محصّنةً من الطمس، وهذا ما أشار إليه النبي ﷺ حين أضاف في حديثه أن الأبوين هما اللذان “يهوّدانه أو يمجّسانه”، مبيّنًا أن الطارئ يمكنه تغطية الأصيل دون أن يُفنيه، فما إن يتراكم التلقين المضاد والبيئة المحتجبة عن التأمل والانهماك في الملذات الحسية، حتى تبدأ تلك الطبقة الفطرية الشفافة تتغشاها أغطيةٌ من الغفلة. وقد صوّر القرآن هذه العملية بدقة حين تحدث عن “الران” الذي يعلو القلب بسبب الذنوب والغفلة المتراكمة. غير أن الفطرة تملك طاقة عجيبة على الانبعاث؛ فكم من إنسان عاش دهرًا في الإنكار ثم ألقت به أزمةٌ وجودية أو لحظة مواجهة مع الموت أو تأمّلٌ عميق في ظاهرة كونية، فانكشف فجأةً عن قلبٍ ظمآن كان ينتظر منذ أمد، وقد وثّق كثيرٌ من الباحثين في علم النفس ما يسمونه “تجارب الذروة الروحية”، وهي لحظاتٌ مفاجئة يشعر فيها الإنسان بحضور المطلق بشكلٍ لا يقبل الجدل، وكثيرًا ما تكون هذه التجارب بوابةَ العودة لمن كانوا قد أحكموا الأبواب على فطرتهم طويلًا.

الفطرة أمانة.. كيف نصونها ونُنمّيها؟

إن الإيمان الفطري بالله ليس لقطةً تُحفظ دون عناية، بل هو بذرةٌ تحتاج إلى رعاية حتى تنمو وتُثمر يقينًا حيًّا راسخًا. وأول ما تحتاجه هذه البذرة هو التأمل الحر في الكون، ذلك التأمل الذي يجعل الإنسان يقف بصدق أمام عظمة الوجود بدلًا من أن يمرّ عليها مرور الغافل، ثم تحتاج إلى صون القلب من الاستغراق الكلي في الشواغل المادية التي تُعمي البصيرة وتُضجر الروح دون أن تُشبعها، وتحتاج إلى التعلم والمعرفة، لا لأن الفطرة ناقصة، بل لأن العلم الشرعي والتأمل الفكري يمنحانها لغةً وأطرًا تعبّر من خلالها وتترسّخ بها، وفوق هذا كله، تحتاج إلى العبادة الحية المتأملة لا الآلية الفارغة، تلك العبادة التي يُحضر فيها الإنسان قلبه كما يُحضر جوارحه، فإذا هو يجد من الله أُنسًا يزداد به إيمانه ويتعمق يقينه، في تلك الدائرة الجميلة التي تبدأ بالفطرة وتمتد إلى الهداية وتنتهي إلى القرب الذي هو غاية الوجود الإنساني.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
﴿وقيل من راق﴾..
ورد الآية الكريمة ﴿وقيل من راق﴾ في القرآن الكريم في سياق الحديث عن لحظات الاحتضار، وهي من الآيات التي...
المزيد »
الإظهار.. تعريفه وأحكامه وتطبيقاته العملية
يُعد الإظهار من أهم أحكام التجويد المتعلقة بالنون الساكنة والتنوين، وهو من الأساسيات التي ينبغي لكل قارئ...
المزيد »
﴿كلا لا وزر﴾..
تأتي الآيات القرآنية لتصور مشاهد يوم القيامة بأسلوب يهز القلوب ويوقظ النفوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كلا...
المزيد »
سورة البقرة.. سبب تسميتها ودلالاتها 
سورة البقرة من أعظم سور القرآن الكريم وأطولها، وقد اشتملت على العديد من الأحكام والقصص والعبر التي تنظم...
المزيد »
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾..
تُعد الآية الكريمة: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾...
المزيد »
المحاقلة والمخاضرة..
اهتم الفقه الإسلامي بتنظيم المعاملات المالية والزراعية بما يحقق العدالة ويمنع الغرر والجهالة، ومن المسائل...
المزيد »
فقه المقاصد.. العلم الذي أعاد للشريعة روحها
من أدق لحظات تاريخ الفكر الإسلامي تلك اللحظة التي تجرّأ فيها العلماء على السؤال الأعمق من مجرد الحكم...
المزيد »
التنظيم العسكري والتخطيط المحكم والوازع الديني
لعب الأيوبيون دورا محوريا في صد الحملات الصليبية وتحرير الأراضي المحتلة، مستفيدين من وحدة الصف وقوة القيادة،...
المزيد »
أذكار ما بعد الصلاة..
قراءة الأذكار بعد الصلاة بانتظام وخشوع من الأعمال اليسيرة التي تحمل أجرًا عظيمًا، وهي مفتاح لطمأنينة...
المزيد »
«ادخلوا في السلم كافة»
تُعد آيات القرآن الكريم مرتبطة في كثير من الأحيان بأسباب نزول توضح سياقها وتبرز معانيها، ومن هذه الآيات...
المزيد »
إكرام الضيف..
يتجلى إكرام الضيف في عدة صور، منها حسن الاستقبال، وطلاقة الوجه، وتقديم الطعام والشراب، والاهتمام براحة...
المزيد »
القاسم بن محمد بن أبي بكر..
القاسم بن محمد بن أبي بكر يظل نموذجا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل، وأسهم في خدمة الإسلام...
المزيد »
«فتح المبدي»..
ساهم "فتح المبدي" في تسهيل الوصول إلى أحاديث صحيح البخاري من خلال شرح مختصرها بطريقة منظمة، مما يوفر...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك