عبارة: لله درك وعليه شكرك

ما حكم شكر من أحسن في قول أو عمل بعبارة "لله درك وعليه شكرك" ؟ وهل في جزء "وعليه شكرك" محذور، فكأنه إلزام لله بشكر هذا الشخص تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ؟...

عبارة: لله درك وعليه شكرك

س
ما حكم شكر من أحسن في قول أو عمل بعبارة "لله درك وعليه شكرك" ؟ وهل في جزء "وعليه شكرك" محذور، فكأنه إلزام لله بشكر هذا الشخص تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ؟ وهل تستخدم "عليه" بمعنى "منه" ؟
جــــ

أولا:

الصيغة المشهورة لهذه العبارة هي: “لله درك وعلى الله أجرك”.

وهذه العبارة لا إشكال فيها؛ فالتعبير “على الله أجرك” هو تعبير جاءت به نصوص الوحي.

كقول الله تعالى:  فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ  الشورى/40.

وقول الله تعالى:  وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  النساء/100.

أي أن على الله ضمان ثواب الأعمال الصالحة؛ فلا يوجد غيره من يثيب على الأعمال.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

” ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) أي: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 196).

وكقول خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ… ” رواه البخاري (1276)، ومسلم (940).

وإفادة “على” على الوجوب لا يستنكر؛ لكن معناها أن الله هو الذي أوجب على نفسه لعبده الثواب ، تفضلا منه سبحانه وتعالى ، وإكراما لعباده المؤمنين.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

” (العبد) لا يرى لنفسه حقا على الله لأجل عمله؛ فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض، والذل والانكسار، فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت الصحبة، وصارت معلولة وخيف منها المقت، ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه، لا باستحقاق العبيد، وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم.

فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق، والناس فيه ثلاث فرق:

فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا، فقالت: لا يجب على الله شيء ألبتة، وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه.

وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورا لعبده، فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب، والفرقتان غالطتان.

والفرقة الثالثة: أهل الهدى والصواب، قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحا، ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا، ولا ينجيه من النار. والله سبحانه وتعالى – بفضله وكرمه، ومحض جوده وإحسانه – أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب، ولو بـ “عسى، ولعل”.

ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( عسى: من الله واجب )… ” انتهى من “مدارج السالكين” (3 / 2265 – 2267).

ثانيا:

والتعبير بلفظ “على الله شكرك” هي بمعنى “على الله أجرك”؛ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ  رواه البخاري (173)، ومسلم (2244).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

” قوله: ( فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ) أي: أثنى عليه ، فجزاه على ذلك بأن قبل عمله وأدخله الجنة ” انتهى من “فتح الباري” (1 / 278).

وينظر للفائدة: “صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة” للشيخ علوي السقاف (214-216).

ويصح لغة أن تكون “على” بمعنى “من”.

كما في قوله تعالى:( الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) المطففي/2.

جاء في “تفسير الجلالين” (ص 587):

” ( الَّذِينَ إِذَا اِكْتَالُوا عَلَى ) أَيْ مِنْ ( النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) ” انتهى.

فالحاصل؛ أن هذا التعبير لا بأس به؛ وإن أطلقه القائل على سبيل الخبر؛ إلا أن المقصود به غالبا الرجاء.

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك