المؤاخاة: فضلها وحدودها ونشأتها

أريد ان أعرف ما معنى المؤاخاة تفصيلا ؟ وكيف أختير فلان ليتآخى مع فلان ؟ هل هم يختارون بعضهم البعض أم إن رسول الله يختار أم ماذا ؟ وعلى ماذا يقتضي؟ هل المتآخين شرعا...

المؤاخاة: فضلها وحدودها ونشأتها

س
أريد ان أعرف ما معنى المؤاخاة تفصيلا ؟ وكيف أختير فلان ليتآخى مع فلان ؟ هل هم يختارون بعضهم البعض أم إن رسول الله يختار أم ماذا ؟ وعلى ماذا يقتضي؟ هل المتآخين شرعا يرثون بعضهم البعض ، ولا يحل لهم الزواج من بنات أو أخوات الشخص المتآخى معه ؟ لأن في حكاية ابنة حمزة رضي الله عنه عندما ذهب الرسول وأصحابه لعمرة القضاء واختلاف علي وجعفر وزيد على من يكفلها ، وقول زيد أنها ابنة أخي ؛ لأن الرسول آخى بينه وبين حمزة ، فهل فعلا يكون محرما لها ؟ وهل هناك من لم يآخي الرسول بينه وبين آخر؟ ومالحكمة من هذا كله ؟
جــــ

أولًا :

لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة: كان ” العمل الثاني الذي قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد بنائه المسجد ، هو عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وذلك أن المهاجرين لما قدموا المدينة ، لم يكن بأيديهم شيء ، لأنهم تركوا أموالهم خلفهم، فأراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- حل هذه الأزمة المادية التي اجتاحت المهاجرين.

وعقدت المؤاخاة في دار أنس بن مالك – رضي الله عنه – .

وفي رواية أن المؤاخاة عقدت في المسجد .

وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، وقيل كانوا مائة، فآخى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بينهم على الحق ، والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي رحم .

روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله تعالى: ولكل جعلنا موالي، قال -رضي الله عنه-: كان المهاجرون ، لما قدموا المدينة : يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه ، للأخوة التي آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت .

قال الحافظ في “الفتح”: هكذا وقع في هذه الرواية : أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية ولكل جعلنا موالي. وروى أبو داود في سننه بسند حسن ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال في قوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ، قال: كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال، فقال تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمد.

ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين: الأولى حيث كان المُعاقد يرث وحده ، دون العصبة ، فنزلت: ولكل جعلنا موالي ، فصاروا جميعا يرثون، وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس.

ثم نسخ ذلك آية الأحزاب، وخص الميراث بالعصبة، وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل بقية الآثار”.

وقال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: ” آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه حين نزلوا المدينة؛ ليذهب عنهم وحشة الغربة ، ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عز الإسلام واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، أنزل الله سبحانه: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أعني في الميراث، ثم جعل المؤمنين كلهم إخوة، فقال تعالى: إنما المؤمنون إخوة يعني في التواد وشمول الدعوة”.

وقد شدد الله سبحانه وتعالى عقد نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأحكمه ، بقوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض إلى قوله تعالى: أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم .

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآيات: “ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين، خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاؤوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار، وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولى ببعض، أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد؛ ولهذا آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث.”

ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين:

* المرة الأولى:

قبل الهجرة ، بين المهاجرين خاصة [يعني: المسلمين من أهل مكة، الذين سيوصفون بعد ذلك بالهجرة] ، على المواساة والنصرة؛ لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتقي الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته -صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-؛ لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا، من قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيدا مولاهم، وقد ثبتت أخوتهما في الصحيح وهما من المهاجرين، وأخرج الحاكم في المستدرك، والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن أبي الشعثاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الزبير وابن مسعود وهما من المهاجرين.

* المرة الثانية:

ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر، وذلك بعد قدومه المدينة.

وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة، عددا كبيرا ممن آخى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بينهم، فقال: وآخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه، من المهاجرين والأنصار فقال – صلى الله عليه وسلم -: ” تآخوا في الله ؛ أخوين أخوين ” – [ الحديث: ذكره ابن إسحاق بلاغا، كما في “السيرة”، لابن كثير (2/324)، وعنه ابن هشام. وانظر: “جمع الجوامع”، للسيوطي (4/459)، والتعليق عليه] – :

1 – فكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مع خارجة بن زيد -رضي الله عنه- أخوين.

2 – وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع عتبان بن مالك -رضي الله عنه- أخوين .

3 – وأبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- مع أبي طلحة -رضي الله عنه- أخوين .

4 – وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- مع سعد بن الربيع -رضي الله عنه- أخوين .

5 – وجعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- مع معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أخوين .

6 – ومصعب بن عمير -رضي الله عنه-، مع أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أخوين .

7 – وأبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- مع المنذر بن عمرو -رضي الله عنه- أخوين .

8 – وسلمان الفارسي -رضي الله عنه- مع أبي الدرداء -رضي الله عنه- أخوين .

9 – وطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- مع كعب بن مالك -رضي الله عنه- أخوين.

10 – والزبير بن العوام -رضي الله عنه- مع سلمة بن سلامة بن وقش -رضي الله عنه- أخوين.

11 – وبلال بن رباح -رضي الله عنه- مع أبي رويحة الخثعمي -رضي الله عنه- أخوين.

وليس معنى هذا أنه لم يكن التآخي إلا بين هؤلاء، وإنما كان هذا أول ما آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، وصار يجددها بحسب من يأتي إلى المدينة مهاجرا، ومن دخل في الإسلام بعد ذلك ، كما قال الحافظ في الفتح “.

انتهى  من “اللؤلؤ المكنون” للعازمي ، (2/ 180 – 187).

وبذلك يعلم أن الميراث كان بين المتآخيين في أول الإسلام ، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك ، وبقيت المودة والأخوة العامة ، ولكل منها الحق على أخيه المسلم .

ثانيًا :

من حقوق الأخوة ما ذكره الإمام “ابن جزي” في “القوانين الفقهية” (291) : ” حقوق المسلم على المسلم عشرة : أن يسلم عليه إذا لقيه ، ويعوده إذا مرض ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمته إذا عطس ، ويشهد جنازته إذا مات ، ويبر قسمه إذا أقسم ، وينصح له إذا استنصحه ، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه ، ويكف عنه شره ما استطاع ، فالمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ، ويبذل له من خيره ما استطاع في دينه ودنياه ، فإن لم يقدر على شيء فكلمة طيبة .

فإن كان من القرابة ، فيزيد على ذلك : حق صلة الرحم بالإحسان ، والزيارة ، وحسن الكلام ، واحتمال الجفاء” انتهى .

وانظر : “الموسوعة الفقهية الكويتية” (33/ 72 – 75).

ثالثًا :

والأخوة معنى جليل نبه على فضله السلف ، فعن مطرف بن عبد اللَّه، قال: ” لقاء إخواني أحب إليَّ من لقاء أهلي؛ أهلي يقولون: يا أبي، يا أبي، وإخواني يدعون اللَّه لي بدعوة، أرجو فيها الخير”.

“الزهد” للإمام أحمد (ص 296).

وقال أيوب: ” إنه ليبلغني موت الرجل من إخواني، فكأنما سقط عضو من أعضائي ” .

وقال تعالى: ( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) [آل عمران: 103].

قال الزمخشريّ: ” كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا ، وتوافقوا ، وصاروا إخوانا ، متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم ، وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله ”  انتهى من “الكشاف”(1/ 395).

قال الشاعر:

وما المرء إلا بإخوانه … كما تقبض الكفُّ بالمعصمِ

ولا خير في الكفِّ مقطوعةً … ولا خير في الساعد الأجذمِ

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك