الرد على الزعم بطهارة المذي

قرأت على موقعكم أن الخلاف في حكم المذي ثابت والراجح نجاسته وذلك في الفتوى رقم: 49152، فكيف ترجحون نجاسة المذي مع أن من قال بطهارته الإمام أحمد في رواية عنه وصححه من أصحابه أبو...

الرد على الزعم بطهارة المذي

س
قرأت على موقعكم أن الخلاف في حكم المذي ثابت والراجح نجاسته وذلك في الفتوى رقم: 49152، فكيف ترجحون نجاسة المذي مع أن من قال بطهارته الإمام أحمد في رواية عنه وصححه من أصحابه أبو حفص البرمكي وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم، ومِمن نصَّ على هذا ابن خزيمة في صحيحه حيث قال: باب ذكر الدليل على أن الأمر بغسل الفرج ونضحه من المذي أمر ندب وإرشاد، لا أمر فريضة وإيجاب ـ ثم أورد رواية: يكفيك منه الوضوء، وقد قال ابن عباس ـ الملقب بحبر الأمة وترجمان القرآن ـ هو عندي بمنزل البصاق والمخاط، وذكر ابن عقيل نحو هذا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فما أعجب أن تتعجب من ترجيحنا قولا ذهب إليه الجماهير وحكي عليه الإجماع وقامت عليه دلالة النصوص، وكيف يراد منا ترجيح قول في مذهب الحنابلة هجره الحنابلة قبل غيرهم، فأما النصوص، فعنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً وَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّمَا يَجْزِيك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيك أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَك حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلَفْظُهُ قَالَ: كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ عَنَاءً فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَجْزِيك أَنْ تَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَلَيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ. أَخْرَجَاهُ.

وَلِمُسْلِمٍ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ.

وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ، فَقَالَ: ذَلِكَ مِنْ الْمَذْيِ، وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَك وَأُنْثَيَيْك وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

فالأمر بغسل الذكر منه ونضح ما يصيب الثياب منه واضح كل الوضوح في كونه نجسا، وأما حكاية الإجماع على نجاسته فقال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: وأما المذي المعهود المعتاد المتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة أو لطول عزوبة فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا وعليه وقع الجواب وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه وإيجاب غسله لنجاسته. انتهى.

وقال الشوكاني: واتفق العلماء على أن المذي نجس ولم يخالف في ذلك إلا بعض الإمامية. انتهى.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في المذي: فيه الوضوء ـ فهو إنما دل على أن المذي يجزئ منه الوضوء ولا يوجب الغسل وهو إجماع كما نقله الحافظ وغيره، فأين فيه أنه لا يجب غسل المذي أو تطهير ما أصابه؟ والواجب العمل بجميع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الرواية عن أحمد في طهارته فليست نصا، بل قال في الإنصاف: وعنه ما يدل على طهارته. انتهى.

وهذه الرواية اختارها أبو الخطاب وقدمها ابن رزين، وأما ابن عقيل فالظاهر أنه قائل بالنجاسة، فالحنابلة لهم في المذي أقوال، والمذهب كما قال في الإنصاف أنه نجس يغسل كسائر النجاسات، والرواية الثانية أنه نجس يكتفى فيه بالنضح، قال المرداوي: واختاره الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَصَاحِبُ تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُحَرَّرِ: صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي إشَارَتِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي المحرر. انتهى.

وأما الأثر المنقول عن حبر الأمة ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فإنما هو في المني، قال البيهقي في السنن وساق الإسناد إلى ابن عباس أنه قال في الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ قَالَ: أَمِطْهُ عَنْكَ بِعُودِ إِذْخِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ، هَذَا صَحِيحٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ رَفَعُهُ. انتهى.

والمنقول عن ابن عباس في المذي دال على أنه يرى نجاسته، فروى البيهقي في السنن من طريق سُفْيَانَ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمَنِيُّ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ: فَالْمَنِيُّ مِنْهُ الْغُسْلُ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْوضُوءُ، يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، ويتوضأ.

قال البيهقي: وروينا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر في المذي نحوه.

فأي تثريب علينا إذا رجحنا قولا هذا شأنه، بل الذي نخشاه أن يكون ترجيح القول بطهارته مما لا تسوغ الفتوى به لما رأيت من النص وحكاية الإجماع.

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك