تحديد المنهج

يجعل الداعية يحدد مساراته على بصيرة

الدعوة إلى الله هي الطريق والسبيل الذي لا بد منه، والدعوة إلى الله عبادة عظيمة ذات نفع متعدٍ، لا يقتصر نفعها على الداعية نفسه، بل يتعدى نفعه إلى الآخرين، سواءً في بلده أو خارجه، أو...

تحديد المنهج

يجعل الداعية يحدد مساراته على بصيرة

الدعوة إلى الله تعالى ليست مجرد علم، وحتى هي بالفن، ولكنها فراسة يعرف من خلالها الداعية كيف يؤثر في المدعوين ويعرف كيف يتخول الناس بالموعظة الحسنة كما كان يفعل النبي صلى الله عليه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَتَخَوَّلُنَا بالمَوْعِظَةِ في الأيَّامِ، كَرَاهيةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا”، فقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحسنَ الناسِ تَعليمًا وتربيةً لأصحابِه؛ فكان يُعلِّمُهم بالقولِ والفِعلِ، وقد نقَلَ الصَّحابةُ الكِرامُ هَدْيَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الموعظةِ.وفي هذا الحديثِ يَحكي عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان مِن شِدَّةِ حِرصِه على انتفاعِ أصحابِه واستفادتِهم مِن وَعْظِه وإرشادِه؛ أنَّه لم يكُنْ يُكثِرُ عليهم مِن ذلك، وإنَّما يَتعهَّدُهم بالمَوعظةِ في بعضِ الأيَّامِ دونَ بعضٍ، ويَتحرَّى الأوقاتَ المناسبةَ، الَّتي هي مَظنَّةُ استعدادِهم النَّفسيِّ لها، وإنَّما كان يَقتصِرُ على الوقتِ المناسبِ خَوفًا على نُفوسِهم مِن الضَّجَرِ والملَلِ، الَّذي يُؤدِّي إلى استثقالِ المَوعظةِ وكَراهتِها ونُفورِها، فلا تَحصُلُ الفائدةُ المَرجوَّةُ.وفي الحديثِ: بيانُ رِفقِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعَظيمِ شَفقتِه بأُمَّتِه؛ ليَأخُذوا الأعمالَ بنَشاطٍ وحِرصٍ عليها، لا عن ضَجَرٍ ومَلَلٍ.

ومن المهم للدعاة أيضا فهم نهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان، خاصة في زمن تزداد فيه الفتن وتشتد فيه الأزمات، مما يجعل الكثيرين يتيهون في الطريق الصحيح. في ظل هذه الظروف، يجب التذكير بأمر الله عز وجل، وبالمنهج الذي رسمه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام، ومن سار على نهجهم.

الحياة، مهما طالت، هي مجرد ممر للآخرة التي هي خير لمن اتقى، وهي إما طريق إلى الجنة أو النار. المعيار ليس كثرة الأعمال بل صوابها وموافقتها للسنة، كما قال الله تعالى: “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، فحسن العمل هو أن يكون خالصاً وصواباً، والصواب هو ما كان على السنة، لا ما أضافته العقول من البدع والأهواء.

لذلك على الداعية أن يدرك أن الدعوة إلى الله تعالى عبادة لا تضاهيها أي عبادة، ويكفيها أن الله تعالى قال في حق الدعاة” ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا”، لكن شريطة أن تكون على بصيرة، وفقا لقوله تعالى “قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي” وأيضاً: “فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ”.

فالدعوة إلى الله هي الطريق والسبيل الذي لا بد منه، والدعوة إلى الله عبادة عظيمة ذات نفع متعدٍ، لا يقتصر نفعها على الداعية نفسه، بل يتعدى نفعه إلى الآخرين، سواءً في بلده أو خارجه، أو إلى من يسمع دعوته إلى يوم القيامة.

ومن هنا تم تصنيف الدعاة إلى نوعين:

الصنف الأول: يدعو وفق السنة مع مراعاة المستجدات، دون الخروج عن إطار التزام السنة والجماعة.

أما الصنف الثاني: يدعو وفق الأهواء والاجتهادات دون الرجوع إلى العلم، فتتعدد المناهج والطرق، ويظن كل داعٍ أن ما يقوم به هو الصواب.

ومن هنا نرى أنه من الضروري التعرف على معنى المنهج، لأنه من خلاله سوف يتعرف الداعية على الاتجاه الذي سوف يسلكه.

والمنهج: هو الطريق، كما جاء في قوله تعالى: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”،الدعوة وفقا لذلك  تحتاج إلى طريق واضح، وقد بيَّن القرآن هذا المنهج في مواضع عديدة. الدعوة الحقة لا تكون على منهج صالح إلا إذا ابتعدت عن الأغراض الدنيوية، وكان أجر الداعية على الله وحده.

الداعية في الأصل إنما يقوم بالدعوة إلى الله حسبة لله تعالى، ليس من أجل أجر يتقاضاه على دعوته؛ لأن ذلك قد يجعله يتأثر برغباتهم أو أهوائهم، فينحرف عن المنهج الصحيح. يقول الله تعالى: “قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ، وأيضاً: “إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ”.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
﴿وقيل من راق﴾..
ورد الآية الكريمة ﴿وقيل من راق﴾ في القرآن الكريم في سياق الحديث عن لحظات الاحتضار، وهي من الآيات التي...
المزيد »
الإظهار.. تعريفه وأحكامه وتطبيقاته العملية
يُعد الإظهار من أهم أحكام التجويد المتعلقة بالنون الساكنة والتنوين، وهو من الأساسيات التي ينبغي لكل قارئ...
المزيد »
﴿كلا لا وزر﴾..
تأتي الآيات القرآنية لتصور مشاهد يوم القيامة بأسلوب يهز القلوب ويوقظ النفوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كلا...
المزيد »
سورة البقرة.. سبب تسميتها ودلالاتها 
سورة البقرة من أعظم سور القرآن الكريم وأطولها، وقد اشتملت على العديد من الأحكام والقصص والعبر التي تنظم...
المزيد »
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾..
تُعد الآية الكريمة: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾...
المزيد »
المحاقلة والمخاضرة..
اهتم الفقه الإسلامي بتنظيم المعاملات المالية والزراعية بما يحقق العدالة ويمنع الغرر والجهالة، ومن المسائل...
المزيد »
فقه المقاصد.. العلم الذي أعاد للشريعة روحها
من أدق لحظات تاريخ الفكر الإسلامي تلك اللحظة التي تجرّأ فيها العلماء على السؤال الأعمق من مجرد الحكم...
المزيد »
التنظيم العسكري والتخطيط المحكم والوازع الديني
لعب الأيوبيون دورا محوريا في صد الحملات الصليبية وتحرير الأراضي المحتلة، مستفيدين من وحدة الصف وقوة القيادة،...
المزيد »
أذكار ما بعد الصلاة..
قراءة الأذكار بعد الصلاة بانتظام وخشوع من الأعمال اليسيرة التي تحمل أجرًا عظيمًا، وهي مفتاح لطمأنينة...
المزيد »
«ادخلوا في السلم كافة»
تُعد آيات القرآن الكريم مرتبطة في كثير من الأحيان بأسباب نزول توضح سياقها وتبرز معانيها، ومن هذه الآيات...
المزيد »
إكرام الضيف..
يتجلى إكرام الضيف في عدة صور، منها حسن الاستقبال، وطلاقة الوجه، وتقديم الطعام والشراب، والاهتمام براحة...
المزيد »
القاسم بن محمد بن أبي بكر..
القاسم بن محمد بن أبي بكر يظل نموذجا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل، وأسهم في خدمة الإسلام...
المزيد »
«فتح المبدي»..
ساهم "فتح المبدي" في تسهيل الوصول إلى أحاديث صحيح البخاري من خلال شرح مختصرها بطريقة منظمة، مما يوفر...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك