بين ديورانت والإسلام.. جدل المادية والروح في تصور النعيم

من بين الشبهات التي أثارها الفيلسوف والمؤرخ الغربي ول ديورانت في دراسته لحضارة الإسلام، زعمه أن الدين الإسلامي يحمل طابعًا ماديًا، إذ ركّز – في رأيه –...
بين ديورانت والإسلام.. جدل المادية والروح في تصور النعيم

بين ديورانت والإسلام.. جدل المادية والروح في تصور النعيم

من بين الشبهات التي أثارها الفيلسوف والمؤرخ الغربي ول ديورانت في دراسته لحضارة الإسلام، زعمه أن الدين الإسلامي يحمل طابعًا ماديًا، إذ ركّز – في رأيه – على النعيم الحسي في الجنة، من أنهارٍ وأطعمةٍ وأزواجٍ، مما يجعله – بزعم ديورانت – أقرب إلى تصور ماديّ للحياة الآخرة، يُغلب فيه الحسّ على المعنى.
وهذه النظرة ليست خاصة بديورانت وحده، بل هي امتداد للتيار الفلسفي الغربي المادي الذي يقيس الأديان بمقاييس الحسّ والعقل المجرد، وينكر الغيب أو يفسّره بلغة رمزية.

عرض الشبهة

يرى ديورانت أن الوصف القرآني للجنة، بما فيها من لذّات حسية، يعكس طبيعة المجتمع العربي الأول الذي كان يميل إلى المحسوسات، وأن الإسلام – وفق تحليله – قد قدّم وعدًا دنيويًا مؤجلًا، يقوم على المتعة والراحة، لا على السموّ الروحي الخالص كما في بعض التصورات الدينية الأخرى.
فهو يعتبر أن التركيز على الحور العين والأنهار والثمار إنما يدلّ على ميل مادي في العقيدة الإسلامية، يجعل الجزاء الأخروي استمرارًا للحياة الحسية لا ارتقاءً عنها.

تحليل فكري لجذر الشبهة

هذه النظرة ناتجة عن سوء فهم لطبيعة الإنسان في المنظور الإسلامي. فالإسلام لا ينظر إلى الإنسان على أنه روحٌ محضة كما تفعل بعض المذاهب المثالية، ولا على أنه جسدٌ صرف كما تقول المادية، بل يجعله مزيجًا من روحٍ وجسد، يتكامل فيه الحسّ والمعنى، وتتحقق إنسانيته بتوازن البعدين معًا.
ومن ثمّ، فإن ما ورد في القرآن من نعيم محسوس ليس انغماسًا في المادية، بل تعبير عن تمام الجزاء الإلهي الذي يشمل الجسد والروح معًا، لأن الإنسان نفسه يجازى بما يتناسب مع تكوينه الكامل. فكما يتألم في الدنيا بألمٍ جسدي وروحي، فإنه ينال في الآخرة نعيمًا جسديًا وروحيًا.

ثم إن الوصف الحسي للنعيم في القرآن لا ينفصل عن السمو الروحي، بل هو تعبير بلغة البشر عن ما لا يمكن تصوّره، كما قال تعالى:

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17].
فكل ما ذُكر من أنهارٍ وثمارٍ وأزواجٍ هو تقريب للمعنى، لا حصر له، إذ النعيم الحقيقي فوق الإدراك المادي.

الردّ الشرعي والفكري

إن القرآن لم يجعل النعيم الأخروي مقصورًا على المتع الحسية، بل جعل الرضوان الإلهي هو النعيم الأعظم، فقال تعالى:

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72].
وهذا يثبت أن الإسلام يربط سعادة الإنسان في الآخرة برضا الله ومعرفته قبل أي متعة مادية، وأن ما يُذكر من النعيم الحسي إنما هو جزء من كمال العدل الإلهي، وليس غاية الوجود.

كما أن الحياة الدنيا في الإسلام ليست مادة خالصة، بل ميدان عبادة واستخلاف، قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
فالمؤمن لا يُحرم من متاع الدنيا ولا يُغرق فيها، بل يتوازن بين الحسّ والروح، بين العمل للمعاش والسعي للمعاد. وهذه الوسطية هي التي غابت عن فلسفة ديورانت المائلة إلى المادية المحضة التي تُقصي الغيب وتختزل الدين في رموز ثقافية.

الرؤية الإسلامية للنعيم والحياة

الإسلام لا يرى النعيم الأخروي استمرارًا لحياة المادة، بل ارتقاءً بها إلى الكمال، حيث تزول الشهوات المبتذلة ويبقى منها ما تهذّب وتطهّر. فالطعام في الجنة ليس حاجة، بل لذّة، والأنوثة فيها ليست شهوة، بل سكن ورحمة، كما قال تعالى:

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].
إنها صورة لعالمٍ طاهرٍ منزّه عن أدران المادة التي يعرفها الإنسان في الدنيا، لكنها تُقدَّم بلغة الحسّ التي يفهمها الإنسان ليقرب إلى ذهنه ما لا سبيل لعقله إلى تصوره.
وبذلك يتبيّن أن الإسلام دين توازن لا مادية، ودين واقعية لا تجريد، يجمع بين لذة الجسد وسموّ الروح في انسجامٍ لا يعرفه الفكر المادي الغربي.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
﴿وقيل من راق﴾..
ورد الآية الكريمة ﴿وقيل من راق﴾ في القرآن الكريم في سياق الحديث عن لحظات الاحتضار، وهي من الآيات التي...
المزيد »
الإظهار.. تعريفه وأحكامه وتطبيقاته العملية
يُعد الإظهار من أهم أحكام التجويد المتعلقة بالنون الساكنة والتنوين، وهو من الأساسيات التي ينبغي لكل قارئ...
المزيد »
﴿كلا لا وزر﴾..
تأتي الآيات القرآنية لتصور مشاهد يوم القيامة بأسلوب يهز القلوب ويوقظ النفوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كلا...
المزيد »
سورة البقرة.. سبب تسميتها ودلالاتها 
سورة البقرة من أعظم سور القرآن الكريم وأطولها، وقد اشتملت على العديد من الأحكام والقصص والعبر التي تنظم...
المزيد »
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾..
تُعد الآية الكريمة: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾...
المزيد »
المحاقلة والمخاضرة..
اهتم الفقه الإسلامي بتنظيم المعاملات المالية والزراعية بما يحقق العدالة ويمنع الغرر والجهالة، ومن المسائل...
المزيد »
فقه المقاصد.. العلم الذي أعاد للشريعة روحها
من أدق لحظات تاريخ الفكر الإسلامي تلك اللحظة التي تجرّأ فيها العلماء على السؤال الأعمق من مجرد الحكم...
المزيد »
التنظيم العسكري والتخطيط المحكم والوازع الديني
لعب الأيوبيون دورا محوريا في صد الحملات الصليبية وتحرير الأراضي المحتلة، مستفيدين من وحدة الصف وقوة القيادة،...
المزيد »
أذكار ما بعد الصلاة..
قراءة الأذكار بعد الصلاة بانتظام وخشوع من الأعمال اليسيرة التي تحمل أجرًا عظيمًا، وهي مفتاح لطمأنينة...
المزيد »
«ادخلوا في السلم كافة»
تُعد آيات القرآن الكريم مرتبطة في كثير من الأحيان بأسباب نزول توضح سياقها وتبرز معانيها، ومن هذه الآيات...
المزيد »
إكرام الضيف..
يتجلى إكرام الضيف في عدة صور، منها حسن الاستقبال، وطلاقة الوجه، وتقديم الطعام والشراب، والاهتمام براحة...
المزيد »
القاسم بن محمد بن أبي بكر..
القاسم بن محمد بن أبي بكر يظل نموذجا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل، وأسهم في خدمة الإسلام...
المزيد »
«فتح المبدي»..
ساهم "فتح المبدي" في تسهيل الوصول إلى أحاديث صحيح البخاري من خلال شرح مختصرها بطريقة منظمة، مما يوفر...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك