“الصم والبكم في القرآن الكريم.. دلالات بلاغية ومقاصد تربوية”

من أبرز لطائف القرآن الكريم أنه يستخدم الصور الحسية لتقريب المعاني المعنوية، ومن ذلك حديثه عن الصم والبكم في سياقات تتعلق بالكفر والضلال. يقول الله تعالى:"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ".البقرة: 18]...
"الصم والبكم في القرآن الكريم.. دلالات بلاغية ومقاصد تربوية"

“الصم والبكم في القرآن الكريم.. دلالات بلاغية ومقاصد تربوية”

من أبرز لطائف القرآن الكريم أنه يستخدم الصور الحسية لتقريب المعاني المعنوية، ومن ذلك حديثه عن الصم والبكم في سياقات تتعلق بالكفر والضلال. يقول الله تعالى:”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ”.البقرة: 18]
وهذه الآية جاءت في وصف من أُغلق قلبه عن الهداية، فهو لا يسمع الحق (صمٌّ)، ولا ينطق به (بكمٌ)، ولا يبصر طريقه (عميٌ).

ليست عيوبًا خَلقية بل حال معنوية

والقرآن لا يصف الكافرين بهذه الألفاظ كعيب خلقي، بل كحالة روحية ونفسية، فهم يسمعون الآيات ولكن لا يفقهونها، كما قال:”وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} “الأنفال: 23. ففيهم سمع ولكن دون استجابة، وكأنهم صُمٌّ.

ومن لطائف ترتيب الكلمات في الآية أن الله بدأ بالصمم، ثم البكم، ثم العمى، لأن: من لا يسمع لا يستطيع أن يتكلم، ومن لا يتكلم قد لا يتفاعل مع الآخرين، ومن لا يبصر لا يهتدي إلى الطريق، وهذا ترتيب دقيق في تصوير تعطل الحواس المعنوية للكافر عن التفاعل مع وحي الله.

تكرار الأسلوب للتأكيد

في آيات أخرى، كرر القرآن نفس الصورة تأكيدًا لحال الإعراض عن الحق، مثل قوله:”وَجَعَلْنَا لَهُمْ آذَانًا لَا يَسْمَعُونَ بِهَا “الأعراف: 179] وقوله تعالى:”الصُمٌّ البُكْمٌ الذين لَا يَعْقِلُون “الأنفال: 22.

وهذا التكرار ليس لمجرد البلاغة، بل يحمل رسالة تربوية وتحذيرًا من الاعتياد على الإعراض حتى تصبح الحواس بلا وظيفة إيمانية.

ورغم استخدام هذه الأوصاف لوصف الكافرين، فإن القرآن الكريم لا يعيب الأشخاص الصم أو البكم خلقًا، بل جاء في مواضع أخرى بتكريم الإنسان مطلقًا، ورفع الحرج عن أصحاب الإعاقات، كما قال:”لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ”. النور: 61]

فالصمم والبكم في القرآن الكريم صورة بلاغية لبيان خطورة الإعراض عن الحق، وأن من لم يستخدم سمعه وبصره ولسانه في طاعة الله، فكأنما هو محروم من هذه النعم تمامًا، كما قال تعالى:”أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} “الأعراف: 179.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
﴿وقيل من راق﴾..
ورد الآية الكريمة ﴿وقيل من راق﴾ في القرآن الكريم في سياق الحديث عن لحظات الاحتضار، وهي من الآيات التي...
المزيد »
الإظهار.. تعريفه وأحكامه وتطبيقاته العملية
يُعد الإظهار من أهم أحكام التجويد المتعلقة بالنون الساكنة والتنوين، وهو من الأساسيات التي ينبغي لكل قارئ...
المزيد »
﴿كلا لا وزر﴾..
تأتي الآيات القرآنية لتصور مشاهد يوم القيامة بأسلوب يهز القلوب ويوقظ النفوس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كلا...
المزيد »
سورة البقرة.. سبب تسميتها ودلالاتها 
سورة البقرة من أعظم سور القرآن الكريم وأطولها، وقد اشتملت على العديد من الأحكام والقصص والعبر التي تنظم...
المزيد »
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾..
تُعد الآية الكريمة: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾...
المزيد »
المحاقلة والمخاضرة..
اهتم الفقه الإسلامي بتنظيم المعاملات المالية والزراعية بما يحقق العدالة ويمنع الغرر والجهالة، ومن المسائل...
المزيد »
فقه المقاصد.. العلم الذي أعاد للشريعة روحها
من أدق لحظات تاريخ الفكر الإسلامي تلك اللحظة التي تجرّأ فيها العلماء على السؤال الأعمق من مجرد الحكم...
المزيد »
التنظيم العسكري والتخطيط المحكم والوازع الديني
لعب الأيوبيون دورا محوريا في صد الحملات الصليبية وتحرير الأراضي المحتلة، مستفيدين من وحدة الصف وقوة القيادة،...
المزيد »
أذكار ما بعد الصلاة..
قراءة الأذكار بعد الصلاة بانتظام وخشوع من الأعمال اليسيرة التي تحمل أجرًا عظيمًا، وهي مفتاح لطمأنينة...
المزيد »
«ادخلوا في السلم كافة»
تُعد آيات القرآن الكريم مرتبطة في كثير من الأحيان بأسباب نزول توضح سياقها وتبرز معانيها، ومن هذه الآيات...
المزيد »
إكرام الضيف..
يتجلى إكرام الضيف في عدة صور، منها حسن الاستقبال، وطلاقة الوجه، وتقديم الطعام والشراب، والاهتمام براحة...
المزيد »
القاسم بن محمد بن أبي بكر..
القاسم بن محمد بن أبي بكر يظل نموذجا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل، وأسهم في خدمة الإسلام...
المزيد »
«فتح المبدي»..
ساهم "فتح المبدي" في تسهيل الوصول إلى أحاديث صحيح البخاري من خلال شرح مختصرها بطريقة منظمة، مما يوفر...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك