الوقف باسم قبيلة من القبائل

شيخنا الفاضل، أتقدم لكم بهذه المسألة لعل الله ييسِّر بيانها وإجابتها على يديك بإذن الله. هل يجوز - أن يكون هناك وقفية باسم قبيلة، كأن تكون هناك وقفية قبيلة الكبيسي لبناء المراكز الإسلامية مثلا،...

الوقف باسم قبيلة من القبائل

س
شيخنا الفاضل، أتقدم لكم بهذه المسألة لعل الله ييسِّر بيانها وإجابتها على يديك بإذن الله. هل يجوز - أن يكون هناك وقفية باسم قبيلة، كأن تكون هناك وقفية قبيلة الكبيسي لبناء المراكز الإسلامية مثلا، بحيث يتحوَّل مبلغ شهري من أفراد القبيلة الراغبين لجمع مبلغ لهذه الوقفية.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين، وبعد:

فإن عمل الخير وإشاعته وتثبيته، يعدُّ من أهداف الرسالة المحمدية، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الأساسية، وقد حضَّ الله سبحانه وتعالى على فعل الخير فقال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]، وأمر بالمسارعة إليه فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران:134،133]، والتسابق عليه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } [المائدة:48].

ولذا وجدنا صحابة رسول الله يتنافسون على فعل الخيرات، كما في حديث: ذهب أهل الدُّثُور من الأموال بالدرجات العُلا، والنعيم المقيم …[1].

فالمجتمع المسلم مجتمع يتسابق أبناؤه على فعل الخير والمسارعة إليه والتنافس فيه، لا على التنافس في الحياة الدنيا وملذاتها وشهواتها.

ونتيجة لاهتمام الإسلام بالخير وفعله والحضِّ عليه، اهتمَّ بتنويع مصادر الخير وتكثيرها، فبعضها منوط بالفرد، وبعضها منوط بالمجتمع، بعضها دوري وبعضها غير دوريٍّ، بعضها مطلوب طلب الفريضة، وبعضها مطلوب طلب الفضيلة.

وكلُّها تكوِّن في مجموعها روافد أساسية وهامَّة لتمويل أعمال الخير، وبقائها واستمرارها، حتى تظلَّ محقِّقة هدفها، مؤتية أُكُلها بإذن ربها.

فهناك الزكاة المفروضة، وزكاة الفطر، والهدي والأضحية، والكفارات الواجبة، والنفقة الواجبة على الأقارب، والوصية من المال قبل الموت، والصدقات التطوعية، والصدقة عن الميت، وهناك الفيء والخراج وموارد الدولة.

وكذلك هناك الصدقات الجارية وهي الأوقاف، وهي التي تبقى للمسلم بعد موته، ويظلُّ أجرها محسوبا له ما دام هناك مَن ينتفع بها.

وفيها جاء الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: “إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”[2].

والصدقة الجارية: هي الدائمة المتجدِّدة، وتتمثَّل في الوقف الخيري، وهو ما يخرجه المسلم من ملكه الخاص، ليجعله لله تبارك وتعالى، أي للخير ومظانِّه، على التأبيد، فيحبِّس الأصل المملوك، ويجعل ثمرته لله.

وقد وقف عمر رضي الله عنه أرضا بخيبر بمشورة النبي صلى الله عليه وسلم، في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل[3].

ولقد كان للوقف الخيري – في العصور السابقة – أثره الملموس في المجتمع الإسلامي، فإن المسلمين لم يَدَعوا حاجة من حاجات المجتمع إلا وقف عليها الخيِّرون منهم جزءا من أموالهم، حتى وقفوا على مَن يزور المرضى في مستشفياتهم ويؤنسهم، وعلى مَن يكسر صحنه من الخدم ليأخذ بدله، حتى لا يؤنِّبه سيِّده أو سيِّدته!!

وقد كانت هذه الأوقاف من السَعَة والضخامة والتنوُّع بحيث صارت مفخرة للنظام الإسلامي، وأصبح الفقراء والمحرومون يجدون من (تكاياها): ما يقيهم الجوع والعري، ومن مستشفياتها المجانية: ما يعالجون به الأمراض والأوصاب، ومن (سُبُلها، ورُبُطها) ما يعينهم على الأسفار وقطع المفاوز والقفار.

والحقُّ أن الأمة الإسلامية في حاجة إلى أن تصل حاضرها بماضيها، فتعيد تفعيل هذا المصدر الثر من مصادر الخير بطرق جديدة، مثل ما يقترحه السائل، بأن تتشارك العائلة الواحدة أو القبيلة كلُّها في وقف تقفه على وجه من وجوه الخير.

وإذا كان الإسلام قد ساوى بين الناس، وحارب العصبية القبلية والتفاخر بالأحساب والأنساب في مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة”[4]، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدم النزعة القبلية في خدمة الإسلام.

ففي جيش النبي الذي أعدَّه لفتح مكة كانت كلُّ قبيلة تقاتل مجتمعة على رايتها، كما اتَّضح ذلك عندما مرُّوا على أبي سفيان، وهو واقف مع العباس.

ففي هذا الحديث: ومرَّت به القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلة قال: مَن هؤلاء، يا عباس؟ قال: أقول: سليم. قال: يقول: ما لي ولسليم.

ثم تمرُّ القبيلة فيقول: مَن هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة.

حتى نفذت القبائل لا تمرُّ قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه يقول: ما لي ولبني فلان. حتى مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة رسول الله، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: سبحان الله، من هؤلاء، يا عباس؟ قلتُ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. فقال: والله، ما لأحد بهؤلاء من قِبَل ولا طاقة، والله – يا أبا الفضل – لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال: ويحك! إنها النبوة[5].

وفي الفتوحات الإسلامية كان القادة المسلمون يستغلُّون التناصر القبلي، في إثارة التنافس بين القبائل في نصرة الإسلام، وتوجيه هذه النزعة وجهة إيجابية.

فلا مانع من أن تتشارك القبيلة في إنشاء وقف على جهة من جهات الخير، على أننا ينبغي أن نذكِّر بألاَّ يكون الدافع للاشتراك في مثل هذا مجرَّد الرغبة في إعلاء اسم العائلة أو القبيلة، ولكن يجب أن يكون المقصود الأول هو ابتغاء وجه الله وحده لا شريك له، كما قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]. والله ولي التوفيق.

[1]- متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (843)، ومسلم في المساجد (595)، وأحمد في المسند (7243)، وأبو داود في الوتر (1504)، عن أبي هريرة.

[2]- رواه مسلم في الوصية (1631)، وأحمد في المسند (8844)، والترمذي في الأحكام (1376)، والنسائي في الوصايا (3651)، عن أبي هريرة.

[3]- متفق عليه: رواه البخاري في الشروط (2737)، ومسلم في الوصية (1632)، وأحمد في المسند (4608)، وأبو داود في الوصايا (2878)، والترمذي في الأحكام (1375)، والنسائي في الأحباس (3599)، وابن ماجه في الصدقات (2396)، عن ابن عمر.

[4]- متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (4905)، ومسلم في البر والصلة (2584)، )، وأحمد في المسند (14467)، والترمذي في تفسير القرآن (3315)، عن جابر.

[5]- رواه الطبراني في الكبير (8/9)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/319)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (23/450)، عن ابن عباس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (6/242)، وصححه الألباني بطرقه وشواهده في الصحيحه (3341)، وذكر ابن إسحاق في غزوة أحد أنه كان لكل قبيلة راية. انظر الإصابة (4/694).

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك