حديث النفس

قال الله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة: 248)، ألا يتنافى ذلك مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسَها؛...

حديث النفس

س
قال الله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة: 248)، ألا يتنافى ذلك مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسَها؛ ما لم تعمل أو تتكلم"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة".
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

الله تعالى يقول: {لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:284)، هذه الآية فهم منها بعض الصحابة أن الإنسان سيحاسب على حديث النفس، فنزل القرآن يصحح لهم الفهم، ويخبرهم أن الله لن يحاسب الإنسان إلا على ما اقترفت يداه وكسبت..

فقد روى الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده واللفظ له والترمذي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة: 284)، قال: دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبهم من شيءٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا”. قال: فألقى اللهُ الإيمانَ في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: فأنزل الله عز وجل: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:285 – 286]. وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} بين لهم أن لا حرج في مثل الوسوسة وحديث النفس وخواطرها، ما لم تتحول إلى نية وعزم.

أما معنى {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فقد قال بعض المفسرين: إنها في كتم الشهادة، وأن كاتم الشهادة ومخفيها في نفسه محاسب. وهذا التفسير باعتبار سياق الآيات، فالآية التي قبلها مباشرة تنهى عن كتمان الشهادة: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة:283]. لكن (ما) الموصولة تدل على العموم، ومعنى الآية أن الله سبحانه يعلم السر والعلن، ما ظهر وما بطن، وأنه يعلم حركات النفس وما تصر عليه وما تعزمه من فعل، سواء أعلنته أم لم تعلنه، وعلمه تعالى محيط بما ظهر وبما بطن من أعمال النفوس، ويحاسب الإنسان على النيات وما تكسبه القلوب، سواء أأخفاه الشخص أم أظهره، فما تكسبه القلوب موضع مؤاخذة ومحاسبة…

ولا تعارض بين ذلك وبين العفو عن حديث النفس والخطرات؛ لأن حديث النفس ليس هو ما تكسبه النفس، ويعزمه القلب، وينويه الشخص ويصر عليه؛ وإنما هو تلك الخواطر النفسية التي تعرض للإنسان فتوجهه نحو الهوى والشهوة؛ فإن سار وراءها حتى اعتزمها وأرادها وأصر عليها، ولكن عاقه عائق عن تنفيذها، لا تكون حديث النفس، بل تكون كسب النفس، ولكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت؛ فالمرتبة الأولى وهي تلك الخواطر، ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها بعد مكافحتها موضع ثواب؛ وهذا معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة”.

فالإنسان قد ينوي الفعل الصالح، ولكن لا يفعله لعجزه عنه، من سفر أو مرض أو غير ذلك, فالله سبحانه وتعالى يثيبه على هذا العمل, كما قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء:100]. أي: بنيته؛ لأن الإنسان يحاسب بنيته، قد يكون الإنسان ممن يصوم كل يوم اثنين وخميس، أو يقوم من الليل، ثم يصيبه مرض فيصير غير قادر على قيام الليل ولا على صيام النهار، فيكتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا، أو كان يقوم الليل ويواظب عليه، ثم في ليلة كان مجهدا ومتعبا، جاء من عمله مهدودا مكدودا، ثم نام ولم يقم إلا لصلاة الصبح، جاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالى يكتب له ما كان ينوي أن يقومه من الليل، وكان نومه صدقة عليه من ربه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي بالليل، فغلبته عينه حتى يصبح، كُتِب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه” (1). فهذا النوم تصدق الله به عليه، فقد أعجزه المرض أو التعب، لكنه أخذ هذا الأجر بنيته، هذا في جانب الخير.

أما في جانب الشر، فلو هم به ثم تذكر ربه، ووقوفه بين يديه، فانتهى عما هم به، كتبه الله له حسنة، أما إذا نواه وعزم عليه وصمَّم عليه يكتب عليه سيئة حتى ولو لم يفعله، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ”، قالوا: يا رسول الله هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: “إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ” (2)، دخل المعركة وهو يريد أن يقتل أخاه المسلم، كل واحد منهما يريد قتل الآخر، فواحد منهما سبق الآخر فقتله، فالاثنان في النار، القاتل دخل النار بفعله، والمقتول دخل النار بنيته.

خلاصة القول أن موضع التجاوز هو حديث النفس وخطراتها، وموضع الحساب هو الإصرار والنيات، والاتجاه القلبي إلى الأذى والانتقام، فالإنسان لا يحاسب على ما أضمره في نفسه إلا إذا تحول إلى نية، وإلى تصميم وعزم على الفعل، في الخير أو في الشر.

…………..

(1) رواه النسائي في قيام الليل (1787)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1344)، والحاكم في الوتر (1170)، وصححه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1105)، عن أبي الدرداء.

(2) متفق عليه: رواه البخاري في (31)، ومسلم في الفتن (2888)، كما رواه أحمد (20439)، عن أبي بكرة.

ذات صلة
صنعك الوليمة لوالدك المتوفى بدعة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... سؤالي هو: شخص توفي والده ويريد أن يدعو الناس الذين جاءوا لتعزيته لوليمة...
المزيد »
صنع الولائم في العزاء من البدع المنكرة
ما هو حكم إقامة مأدبات الطعام في العزاء؟
المزيد »
حكم تشييع الجنازة بالأناشيد الإسلامية
من فلسطين أرض الرباط : هل يجوز إذاعة الأناشيد الإسلامية في تشييع جنازات الشهداء؟
المزيد »
تخصيص قراءة الفاتحة بعد صلاة الجنازة محدث
بسم الله الرحمن الرحيم ما حكم من يقرأ سورة الفاتحة بعد الانتهاء من صلاة الجنازة أي قبل حمل الجنازة إلى...
المزيد »
يقتصر في الموعظة والدعاء أثناء الدفن على المأثور
يرجى التكرم بالإجابة على سؤالي حسب ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة وعن سلف هذه الأمة: كنت في مقبرة لدفن...
المزيد »
حكم قراءة الفاتحة بعد صلاة الجنازة
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته هناك عادة في إحدى مناطق الجزائر يقرؤون الفاتحة...
المزيد »
حكم الجهر بالذكر خلف الجنازة
ما حكم الذكر بالجهر جماعة وراء الجنازة ؟
المزيد »
قراءة القرآن على المقابر من المحدثات .
ما حكم قراءة القرآن على المقابر لو أن القارئ امرأة؟
المزيد »
تصرفات أهل الميت البدعية بعد موته لا يلحقه إثمها إلا إذا أوصى بها .
هل علينا إثم إذا حدث أثناء غسل الجنازة أو دفنها أو في العزاء أي نوع من البدع ونحن لسنا راضين ولكن تم...
المزيد »
الاجتماع لختم القرآن عند الميت وصنعة الطعام لهم لايجوز
السلام عليكم جرت العادة هنا في بلادي أنه عند موت أي إنسان يقوم أهل الميت بجلب مجموعة من حفظة القرآن ويقوم...
المزيد »
ذكرى الأربعين بدعة في الدين
هل ذكرى الأربعين للمتوفى حرام وما حكم الشرع فى ذكرى الأربعين والسنوية؟
المزيد »
لا فرق بين نزولهن من السيارات أو بقائهن فيها
هل يجوز اتباع النساء للجنازة من داخل السيارات مع عدم النزول منها في حالة الالتزام بعدم البكاء بصوت مرتفع...
المزيد »
قراءة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة على الميت بدعة
خطبنا خطيب وقال إنه لا يجوز دفن الميت بالليل، أرجو الإفادة وما حكم قراءة القرآن علي الميت حيث هنا في...
المزيد »
التأوه عند الألم جائز وتركه أولى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خيراً على هذا الموقع وبعد: فهل يجوز قول آه آه أو ياي ياي...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك