الرأي في ما يُسمَّى «عيد الأم»

ما موقف الإسلام مما يسمى "عيد الأم"، الذي يحتفل به البعض في العالم العربي يوم 21 مارس من كل عام، وحول ما إذا كان الاحتفال بهذا اليوم حرامًا؟...

الرأي في ما يُسمَّى «عيد الأم»

س
ما موقف الإسلام مما يسمى "عيد الأم"، الذي يحتفل به البعض في العالم العربي يوم 21 مارس من كل عام، وحول ما إذا كان الاحتفال بهذا اليوم حرامًا؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

لا أقول إن إقامة عيد للأم حرام، فإن التحريم لا يقدم عليه عالم إلا بنص، والأصل في الأشياء والعادات الإباحة، وإن كنت لا أجد حاجة لمثل هذا الأمر في مجتمعاتنا.

وإذا كان لا بد من الاحتفال فلنسمه “يوم الأم” بدل “عيد الأم”؛ لأن فكرة العيد عندنا مرتبطة بالدين، ولا نود أن يكون لنا عيد غير عيد الفطر، الذي نحتفل فيه بإتمام الصيام لشهر رمضان، وعيد الأضحى، الذي نشارك فيه حجاج بيت الله الحرام في يوم حجهم الأكبر.

وأدعو الناس أن يحرصوا في مثل هذا اليوم على أن لا ينسوا مشاعر الأبناء والبنات الذين فقدوا أمهاتهم؛ فيصبح هذا اليوم يوم حزن ونكد عليهم، كما أدعو إلى مراعاة مشاعر الأولاد الذين انفصلوا عن أمهاتهم بسبب الطلاق، فحُرموا من عطف الأمهات، واستبدلوا بهن زوجات الآباء اللاتي كثيرًا ما يعاملنهم بالقسوة والجفاء.

وأود أن ألفت إلى أن التاريخ لا يعرف دينًا ولا نظامًا كرّم المرأة باعتبارها أمًا وأعلى من مكانتها مثل الإسلام، الذي أكد على الوصية بالأم وجعلها تالية للوصية بتوحيد الله وعبادته، وجعل برها من أصول الفضائل، كما جعل حقها أوكد من حق الأب؛ لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية.

قال تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)، {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} (الأحقاف:15).

وقرر النبي صلى الله عليه وسلم فضل الأمهات عندما جاء رجل يسأله: من أحق الناس بصحابتي؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أبوك” (متفق عليه). وروى البزار أن رجلًا كان بالطواف حاملًا أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها؟ قال: “لا، ولا بزفرة واحدة”! (رواه الطبراني).. أي من زفرات الطلق والوضع ونحوها.

وبر الأم في الإسلام يعني إحسان عشرتها وتوقيرها وخفض الجناح لها، وطاعتها في غير المعصية، والتماس رضاها في كل أمر، حتى الجهاد إذا كان فرض كفاية لا يجوز إلا بإذنها، فإن برها ضرب من الجهاد. وقد كانت بعض الشرائع تهمل قرابة الأم، ولا تجعل لها اعتبارًا، فجاء الإسلام يوصي بالأخوال والخالات، كما أوصى بالأعمام والعمات. رُوي أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أذنبت، فهل لي من توبة؟ فقال: “هل لك من أم؟” قال: لا. قال: “فهل لك من خالة؟” قال: نعم. قال: “فبرها” (رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي).

ومِن عجيب ما جاء به الإسلام أنه أمر ببر الأم وإن كانت مشركة، فقد سألت أسماء بنت أبى بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن صلة أمها المشركة، وكانت قدمت عليها، فقال لها: “نعم، صلي أمك” (متفق عليه). ومن رعاية الإسلام للأمومة وحقها وعواطفها أنه جعل الأم المطلقة أحق بحضانة أولادها وأولى بهم من الأب.

والأم التي اعتنى بها الإسلام كل هذه العناية، وقرّر لها كل هذه الحقوق، عليها واجب أن تحسن تربية أبنائها فتغرس فيهم الفضائل، وتبغضهم في الرذائل، وتعودهم طاعة الله، وتشجعهم على نصرة الحق، ولا تثبطهم عن الجهاد استجابة لعاطفة الأمومة في صدرها، بل تغلب نداء الحق على نداء العاطفة.

وقد رأينا أمًا مؤمنة كالخنساء قبل معركة القادسية تحرض بنيها الأربعة وتوصيهم بالإقدام والثبات في كلمات بليغة رائعة، وما أن انتهت المعركة حتى نعوا إليها جميعًا، فما ولولت ولا صاحت، بل قالت في رضا ويقين: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم في سبيله!!

إن الغرب جعل للأم يومًا في السنة، سموه “عيد الأم” لأن عادة الغربيين بعد أن يبلغ الابن أو البنت أن يذهب كل واحد إلى حال سبيله، ولا يعرف الأسرة ولا يتصل بالأب ولا يتصل بالأم، بل كل منهم مهموم بأمر نفسه، الابن يبحث له عن صديقة (جيرل فرند) والبنت تبحث عن صديق (بوي فرند) ولا يذكر ذلك الحضن الذي نشأ في ظله وما له من حق عليهما.

بر الوالدين فضيلة لا وجود لها في المجتمع الغربي، ونحن لسنا هكذا، الابن عندنا مرتبط بأسرته والابنة مرتبطة بأسرتها وكل أيام أمهاتنا أعياد وليس يومًا في السنة، بخلاف الحال عندهم حيث لا يرى الآباء والأمهات أولادهم ولا أولادهم يرونهم، فكان لا بد من تخصيص يوم للأب ويوم للأم في كل عام، فما حاجتنا لهذا؟! لماذا نقلدهم تقليدًا أعمى؟!

إن كان لابد أن نحتفل بعيد الأم؛ فلنحتفل بها في عيد الفطر وعيد الأضحى، فلو كان أحدنا غائبًا عن أمه فعليه أن يزورها يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى، وغير ذلك لا معنى له.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك