المحكم والمتشابه في القرآن

القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي ختم به الكتب، وقد شاء الله سبحانه أن يتكفل هو بحفظ كتابه، ولم يكِل ذلك لأحد من خلقه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}...

المحكم والمتشابه في القرآن

س
القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي ختم به الكتب، وقد شاء الله سبحانه أن يتكفل هو بحفظ كتابه، ولم يكِل ذلك لأحد من خلقه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، والقارئ لكتاب الله يجد أن القرآن نفسه يقرر أن منه المحكم ومنه المتشابه {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران:7). سماحة الشيخ: ما المقصود بالمحكم والمتشابه؟ وما الحكمة من وجود هذا التنوع؟ ولماذا لم يكن القرآن كله محكمًا حتى لا تزيغ الأهواء، وتتعدد الأفهام، ويضل الناس؟ نرجو من فضيلتكم توضيح هذه المفاهيم.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

مما لا ريب فيه أن في القرآن محكما ومتشابها، وفقا لما صرح به القرآن نفسه في الآية السابعة من سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، هذا، مع أن في آية أخرى أثبت القرآن أن آياته كلها محكمة، كما قال تعالى في مطلع سورة هود: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.

ومعنى “إحكامها”: إتقانها وإحسانها بحيث لا يتطرق إليها أي لون من ألوان الاختلال في اللفظ أو المعنى، في المفردات أو الجمل، في الأخبار أو الأحكام، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} (الأنعام:115)، صدقا في الأخبار، عدلا في الأحكام، كما وصف القرآن في آية أخرى بأنه كله متشابه، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} (الزمر:23).

ومعنى تشابهه: أنه يشبه بعضه في بلاغته وإعجازه، وروعة تأثيره، وفي صدق أخباره، وعدالة أحكامه، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} (الأنعام:115)، وكذلك في تناسقه وتناغمه بحيث يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض بعضه مع بعض: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (النساء:82)، فآية سورة آل عمران قد بينت أن في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، فما معنى الإحكام والتشابه، وبالتالي: ما معنى المحكم والمتشابه في القرآن؟

نقل الشيخ مرعي في كتابه “أقاويل الثقات” جملة أقوال للعلماء في بيان ذلك:

فقيل: المحكم: ما وضح معناه، والمتشابه: نقيضه.

وقيل: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل أوجها.

وقيل: المحكم: ما تأويله تنزيله، والمتشابه: ما لا يدرى إلا بالتأويل.

وقيل: المحكم: ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه: القصص والأمثال.

وقيل: المحكم: ما يعرفه الراسخون في العلم، والمتشابه: ما ينفرد الله بعلمه.

وقيل: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، وما سوى ذلك محكم، وقيل غير ذلك.

وقال جماعة من الأصوليين: المحكم: ما عرف المراد منه، قيل: ولو بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطعة، وهو معنى قول بعضهم: إن المحكم: هو المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال، والمتشابه: ما يتعارض فيه الاحتمال، ويجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة: كالقَرْء(1)، وكاللمس(2) المتردد بين المس والوطء، وقد يطلق على ما ورد في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه، ويحتاج إلى تأويله.

وأنا أميل إلى هذا القول.

سر وجود المتشابه في القرآن:

ونبدأ بالإجابة على هذا السؤال: لماذا وجد في القرآن “آيات متشابهات” ولم يكن القرآن كله محكما؟ فقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (آل عمران:7).

لماذا أنزل الله هذه الآيات التي يركض وراءها الزائغون؟ يعتمدون عليها، ويتركون المحكمات – وهي أم الكتاب ومعظمه – ابتغاء الفتنة للعقول، وابتغاء التأويل فيما لا يعلمون تأويله، وليس من اختصاصهم تأويله، إنما يريدون تأويله تأويلا يخدم أهواءهم؟

وقد بينا الحكمة من ذلك في كتابنا “كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟”، وقد يسأل سائل بعد ذلك: لماذا جعل الله في كتابه “المتشابه”، ولماذا لم يجعله كله “محكما”.

والحق: أن من عرف طبيعة اللغات – وبخاصة العربية – وما فيها من اختلاف الدلالات للألفاظ والجمل، وتنوع الخطاب حسب مقتضى الحال، ما بين الحذف والذكر، والتقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وما بين الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعموم والخصوص.. إلخ.

وعرف طبيعة الإنسان باعتباره مخلوقا مختارا عاقلا مبتلى بالتكليف، وليس كالحيوانات العجماوات، أو الجمادات المسخرات، ولا كالملائكة المفطورين على الطاعات دون اختيار منهم… وأن من شأنه أن يُعمل قواه وملكاته العقلية.

وعرف طبيعة الدين، وطبيعة التكليف فيه، وهو إلزام ما فيه كلفة ومعاناة، لما فيه من صقل الإنسان في الدنيا، وإعداده بهذا للخلود في الآخرة، وترتيب الجزاء والثواب على هذه المعاناة.

وعرف طبيعة الإسلام الذي يخاطب أولي الألباب، ويريد تحريك العقول لتبحث وتجتهد، وتدرس وتستنبط، ولا تركن إلى الدعة والكسل العقلي.

وعرف طبيعة البشر، وتنوع أصنافهم، ففيهم الظاهري الذي يقف عند حرفية النص، وفيهم الذي يهتم بروح النص، ولا يكتفي بظاهره، فيهم من يسلِّم، وفيهم من يؤوِّل، فيهم العقلاني، وفيهم الوجداني… وكان الخطاب القرآني للناس جميعا. فاقتضت حكمة الله أن يسعهم خطابه، وأن يودعه من البينات والدلائل ما يرشدهم إلى الصواب، ولكن بعد بحث وجهد، حتى يرتقوا في الدنيا، ويثابوا في الآخرة… والله أعلم(3).

…..

(1) وهو متردد بين الحيض والطهر، وانظر: تفسير القرطبي (3/112)، وزاد المسير (1/258)، والصحيح أنه الحيض كما حققه ابن القيم في زاد المعاد (5/600- 615) بتحقيق الشيخ شعيب.

(2) انظر: تفسير القرطبي (5/223)، وزاد المسير (3/92) بتحقيق الشيخ شعيب.

(3) من كتابنا: “كيف نتعامل مع القرآن” صـ270،271، طبعة دار الشروق.

2.5.0.0
2.5.0.0

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك