القضاء والقدر و الأخذ بالأسباب

هل كل ما يحدث للإنسان في الدنيا مكتوب عليه من الأزل: الموت والرزق، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء في الدنيا، وإن كان من أهل الجنة أو أهل النار... فما قيمة سعي الإنسان إذن؟ وهل للأطباء...

القضاء والقدر و الأخذ بالأسباب

س
هل كل ما يحدث للإنسان في الدنيا مكتوب عليه من الأزل: الموت والرزق، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء في الدنيا، وإن كان من أهل الجنة أو أهل النار... فما قيمة سعي الإنسان إذن؟ وهل للأطباء أن ينقذوا إنسانًا من الموت في حادثة من الحوادث؟ وهل للاجتهاد والعمل المتواصل، أو حسن إدارة التجارة أو الزراعة علاقة بزيادة الرزق، أم أن الرزق محدد مقدر... عملنا أم تكاسلنا؟
جــــ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

هذا السؤال سؤال قديم معروف، ويبدو أنه مهما طال الزمن سيظل يخطر على الأفئدة، ويدور على الألسنة، ولا داعي للحيرة في شأنه، فإن الإسلام قد شفى في جوابه وكفى وسنعرض لهذه المسألة في النقاط التالية:

(أ) كل ما في الكون مكتوب مسجل:

أما أن كل ما في الكون مكتوب مسجل. فهذا معلوم من الدين بالضرورة ولا شك فيه، وإن كنا لا نعلم كيفية الكتابة، وماهية الكتاب، وكل الذي نعلمه أن الله تعالى قد أبدع هذا الكون بأرضه وسمائه، وجماداته وأحيائه، على وفق تقدير أزلي عنده، وأنه أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأن كل ما يحدث في هذا الكون العريض يحدث وفق علمه وإرادته {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (سورة يونس:61)، {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (سورة الأنعام:59)، {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (سورة الحديد:22).

(ب) هذا العلم المستوعب، والإحصاء الدقيق، والتسجيل الشامل للأشياء والأحداث قبل وقوعها لا ينافي الاجتهاد في العمل واتخاذ الأسباب:

فإن الله كما كتب المسببات كتب الأسباب، وكما قدر النتائج، قدر المقدمات فهو لا يكتب للطالب النجاح فحسب بحيث يصل إلى هذه النتيجة بأي وسيلة، ولكن يكتب له النجاح بوسائله من جد وحرص وانتباه ووعي وصبر وجلد إلى آخر هذه الأسباب. فهذا مقدر مكتوب، وهذا مقدر مكتوب.

إن الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر بل هو من القدر أيضًا،ولهذا حين سئل -صلى الله عليه وسلم- عن الأدوية والأسباب التي يتقي بها المكروه، هل ترد من قدر الله شيئًا، كان جوابه الفاصل: “هي من قدر الله” رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه.

ولما انتشر الوباء في بلاد الشام قرر عمر بمشورة الصحابة العدول عن دخولها، والرجوع بمن معه من المسلمين. فقيل له: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن نزلت بقعتين من الأرض، إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة، أليس إن رعيت المخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت المجدبة رعيتها بقدر الله؟!

(جـ) إن القدر أمر مغيب مستور عنا: فنحن لا نعرف أن الشيء مقدر إلا بعد وقوعه، أما قبل الوقوع فنحن مأمورون أن نتبع السنن الكونية، والتوجيهات الشرعية لنحرز الخير لديننا ودنيانا.

إنما الغيب كتاب صانه عن عيون الخلق رب العالمين.

ليس يبدو منه للناس سوى صفحة الحاضر حينًا بعد حين.

وسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحيطة في هجرته…

أعد الرواحل التي يمتطيها، والدليل الذي يصحبه، وغير الطريق، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل: اعقلها وتوكل (رواه ابن حبان بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية الضمري، ورواه ابن خزيمة والطبراني بإسناد جيد بلفظ “قيدها وتوكل”)، وقال: “فرّ من المجذوم فرارك من الأسد” (رواه البخاري) و”لا يوردن ممرض على مصح” (رواه البخاري) أي لا يخلط صاحب الإبل المريضة إبله بالإبل السليمة، اتقاء العدوى.

( د ) الإيمان بالقدر إذن لا ينافي العمل والسعي والجد في جلب ما نحب، واتقاء ما نكره.

فليس لمتراخ أو كسلان أن يلقى على القدر كل أوزاره وأثقاله، وأخطائه وخطاياه، فهذا دليل العجز والهرب من المسئولية، ورحم الله الدكتور محمد إقبال إذ قال: “المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد، وقدره الذي لا يغلب”.

وهكذا كان المسلمون الأولون يعتقدون:

ففي معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شعبة على قائد من قواد الروم فقال له: من أنتم؟ قال: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم، أو لهبطتم إلينا!!

ولا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الاعتذار بالقدر إلا حينما يبذل وسعه، ويفرغ جهده وطاقته، وبعد ذلك يقول: هذا قضاء الله.

غلب رجل آخر أمام النبي عليه السلام، فقال المغلوب: حسبي الله، فغضب النبي، ورأى ظاهر هذه الكلمة إيمانًا، وباطنها عجزًا، فقال: “إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله”.

(هـ) ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر:

إن من ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر – حينما يبذل الإنسان كل ما تحت يده، ويرتقب ما في يد الله – أن يهبه المضاء في موقف اليأس، والعزيمة في مجال الكفاح، والشجاعة ساعة الخطر، والصبر عند الصدمة، والرضا بالكسب الحلال عند تفاوت الحظوظ الدنيوية.

إنه سيقول عند الكفاح: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

وسيقول عند المعركة: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} (آل عمران:154).

وسيقول عند المصيبة: قدر الله وما شاء فعل.

وسيقول للسلطان الجائر: إنك لن تقدم أجلي، ولن تحرمني رزقًا هو لي.

إن عقيدة القدر إذا فهمت على وجهها الصحيح تستطيع أن تخلق من أمتنا أمة مجاهدة صامدة، جديرة بأن تقود زمام التاريخ.

والله أعلم

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك