هل يجوز أن يقال لشخص: “نفسك طاهرة” تحبيبا له في الطاعة؟

هل يجوز أن يقول الشخص لأخته "أنتِ نفس طاهرة" مجاملة، ويقولها في صياغة يقربها إلى طاعة الله تعالى؟...

هل يجوز أن يقال لشخص: “نفسك طاهرة” تحبيبا له في الطاعة؟

س
هل يجوز أن يقول الشخص لأخته "أنتِ نفس طاهرة" مجاملة، ويقولها في صياغة يقربها إلى طاعة الله تعالى؟
جــــ

أولا:

إذا قال شخص لأحد: نفسك طاهرة، فلا حرج في ذلك ولو كان عاصيا، ويقصد بهذا الكلام أنها طاهرة من الشرك ومن الفواحش التي لا يقع فيها، ولا يقصد بذلك أنها طاهرة من كل ما يدنسها، حتى لا يكون كاذبا في كلامه، أو يذكره ويريد به ذاته وجسده، فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا.

ثانيا:

إذا خيف على الشخص الذي يقال له هذا الكلام أن يقع في نفسه شيء من الكبر أو الإعجاب بالنفس ، فلا يجوز أن يواجه بهذا المدح .

روى البخاري (6061)، ومسلم (3000) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ – يَقُولُهُ مِرَارًا – إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

” قَالَ اِبْن بَطَّال: حَاصِل النَّهْي: أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْح آخَر بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَن عَلَى الْمَمْدُوح الْعُجْب لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة، فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَل وَالِازْدِيَاد مِنْ الْخَيْر اِتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ

وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي “الْإِحْيَاء” : آفَة الْمَدْح فِي الْمَادِح أَنَّهُ قَدْ يَكْذِب، وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوح بِمَدْحِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا” انتهى.

وروى الإمام أحمد (16395)، وابن ماجه (3743) عن مُعَاوِيَة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ ، فَإِنَّهُ الذَّبْحُ) وحسنه الألباني في “صحيح ابن ماجة”.

قال المناوي:

“لما فيه من الآفة في دين المادح والممدوح ، وسماه ذبحا لأنه يميت القلب فيخرج من دينه، وفيه ذبح للممدوح فإنه يغره بأحواله ويغريه بالعجب والكبر ويرى نفسه أهلا للمدحة، سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى، وفي رواية : (فإنه من الذبح) وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتُر عن العمل، والمدح يوجب الفتور، أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهو مهلك كالذبح، فلذلك شبه به، قال الغزالي رحمه الله: فمن صنع بك معروفا فإن كان ممن يحب الشكر والثناء فلا تمدحه؛ لأن قضاء حقه أن لا تقره على الظلم، وطلبه للشكر ظلم، وإلا فأظهر شكره ليزداد رغبة في الخير” انتهى.

ثالثا:

إذا أمنت الفتنة من مدح الإنسان في وجهه، ولم تُخش مفسدة ذلك، ودعت المصلحة الشرعية المعتبرة إلى مثل ذلك: فلا بأس به.

ومثال ذلك: أن يرمى شخص بما هو منه برئ، فينصره صاحبه في مظلمته، ويدفع عنه ظِنَّة السوء.

ومن ذلك: أن يخاطب من ضعفت نفسه، وخشي عليه أن ينصرف عن الطاعة، أو ييأس من رحمة الله وفضله؛ فيخاطب بمثل ذلك تقوية لقلبه، ودعوة له إلى الالتفات إلى ما عنده من الخير والفضل، والأخذ بيده وتشجيعه على التوبة والاستقامة: فلا حرج منه حينئذ ، فإن التلطف مع العصاة وتأليف قلوبهم أمر مطلوب شرعا. وقد خاطب الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران/159.

هذا، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم معه من الآيات والمعجزات ما تثبت أن ما معه هو الحق، ولكن كثيرا من الناس لا ينقادون للحق إلا إذا كان معه حسن خلق، ورفق من الداعي إليه .

وينظر: “الآداب الشرعية” لابن مفلح (2/110)، فقد نقل هذا المعنى عن ابن عقيل الحنبلي رحمه الله.

فلا حرج على الداعي أن يذكر بعض صفات المدعو الحسنة، حتى يكون في ذلك تأليف لقلبه، فيقبل النصيحة، ولا يتعالى عليها.

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك