هل يجوز أن يدعى بـ رضي الله عنه ليزيد بن معاوية ؟

هل يجوز استخدام عبارة " رضي الله عنه " أو " عليه السلام " على " يزيد بن معاوية "، وأنا أدرك أن رأي جمهور الفقهاء هو عدم لعنه ، لكن هل أثنى أي...

هل يجوز أن يدعى بـ رضي الله عنه ليزيد بن معاوية ؟

س
هل يجوز استخدام عبارة " رضي الله عنه " أو " عليه السلام " على " يزيد بن معاوية "، وأنا أدرك أن رأي جمهور الفقهاء هو عدم لعنه ، لكن هل أثنى أي علماء قدماء على " يزيد "، وإذا لم يقوموا بذلك ، فما مدى صحة استخدام عبارات كهذه له ؟
جــــ

أولا :
سبق في موقعنا ذكر اختلاف العلماء في الدعاء بـ : ” عليه الصلاة والسلام “، أو ” عليه السلام ” لغير الأنبياء ، فذهب بعض العلماء إلى كراهة ذلك ، وذهب آخرون إلى الجواز ، ولكنه جواز مشروط بألا يتخذ عادة وشعارا لشخص معين غير الأنبياء ، وقد رجحنا القول بالجواز المشروط لأدلة كثيرة.
ثانيا :
كذلك الدعاء بـ ” رضي الله عنه ” لغير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جائز لا بأس فيه أيضا إذا لم يلتزم عادة في اسم معين ، وذلك للأسباب الآتية :
1- أن غاية هذه الجملة ” رضي الله عنه ” أنها دعاء ، والدعاء بنوال رضوان الله تعالى دعاء مشروع لا حرج فيه .
2- لم يرد في الكتاب والسنة دليل يخصص الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الدعاء ، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده .
3- ما زال العلماء والفقهاء يستعملون هذا الدعاء : ” رضي الله عنه ” لغير الصحابة الكرام ، من الأئمة والتابعين الذين نالوا مرتبة الإمامة في الدين ، كالأئمة الأربعة وغيرهم ، فكتب العلماء مليئة بالترضي عنهم .
4- كما جاءت نصوص العلماء الصريحة في جواز الدعاء بالرضوان لغير الصحابة الكرام .
قال الإمام النووي رحمه الله :
” يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار ، فيقال : رضي الله عنه ، أو رحمة الله عليه ، أو رحمه الله ، ونحو ذلك .
وأما ما قاله بعض العلماء : إن قول : رضي الله عنه مخصوص بالصحابة ، ويقال في غيرهم : رحمه الله فقط ، فليس كما قال ، ولا يوافق عليه ، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه ، ودلائله أكثر من أن تحصر ” انتهى من ” الأذكار ” (ص/118)
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” نحن نقول رضي الله عن كل مؤمن ، كما قال الله تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )
لكن المعروف عند أهل العلم تخصيص الصحابة رضي الله عنهم بقولهم فيهم : رضي الله عنهم ، وأما من بعد الصحابة من التابعين إلى زمننا هذا يقولون فيهم رحمه الله ، وإن كان بعض العلماء قد يقول : رضي الله عنه في الأئمة الكبار ، كالإمام أحمد ، قال الإمام أحمد رضي الله عنه ، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ، قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه ، قال الإمام مالك رضي الله عنه ، لكن عامة المعروف بين أهل العلم أن الترضي يكون للصحابة ، والترحم يكون لمن بعدهم ، وإذا كان هذا هو المعروف المصطلح عليه عند عامة العلماء ، فإن الإنسان إذا ترضى عن شخص من غير الصحابة أوهم السامع بأن هذا الشخص من الصحابة ، فينبغي أن نتجنب ذلك ، أو أن يقول قال فلان وهو من التابعين رضي الله عنه ، قال فلان وهو من تابعي التابعين رضي الله عنه ، حتى لا يظن أحد أن هذا من الصحابة ” انتهى.
يتبين مما سبق أن الدعاء بـ ” عليه السلام ” يجوز لغير الأنبياء أحيانا وليس على سبيل العادة والشعار ، وأن الدعاء بـ ” رضي الله عنه ” يجوز لغير الصحابة أيضا .
لكن هذا الجواز أيضا مشروط بأمرين :
الشرط الأول : أن يكون المدعو له بالسلام أو بالرضوان من الأولياء الصالحين ، أو من الأئمة المتقين ، أو من عباد الله الزاهدين الورعين ، ممن اشتهر في الأمة ديانتهم ومكانتهم وإمامتهم ، لذلك جاء في كلام الإمام النووي السابق : ” يستحب الترضي على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار “.
الشرط الثاني : أن لا يتخذ هذا الدعاء : ” عليه السلام ” ، أو ” رضي الله عنه ” سبيلا للتعصب الأعمى لإمام معين أو شخص معين ، يقصد به تفضيله على سائر الأئمة والناس ، فيتخذ هذا الدعاء سبيلا لتفرقة الأمة كما وقع لدى بعض الفرق .
رابعا :
أما يزيد بن معاوية ، فقد سبق الحديث عنه في الجواب رقم : (14007)، حيث يتبين لمن يقرأ ذلك الجواب ، ومن يطالع أقوال العلماء فيه أنه لم يكن من الأولياء الصالحين ، ولا العلماء المتقين ، بل نص كثير من أهل العلم على اشتهاره بالمساوئ والقبائح ، وبالغ بعض العلماء إلى حد التأليف في جواز لعنه وثلبه ، كأبي يعلى وابن الجوزي والسيوطي ، ورغم أن الذي ذهب إليه المحققون من العلماء تجنب السب واللعن ، لأن له محاسن وفضائل أيضا ، كما أنه له مساوئ مشهورة كثيرة ؛ ولكن ذلك لا يعني التغاضي عما امتلأت به كتب التاريخ بالروايات المسندة التي تشتمل على فظائع ارتكبها يزيد بن معاوية ، أو على الأقل وقعت في عهده وتحت إمرته ، كقتل الحسين بن علي رضي الله عنه ، واستباحة المدينة المنورة ، وفرض الإمارة بالسيف والظلم والقتل والاضطهاد .
يقول الإمام الذهبي رحمه الله :
” كان قويا شجاعا ، ذا رأي وحزم وفطنة وفصاحة ، وله شعر جيد ، وكان ناصبيا ، فظا ، غليظا ، جلفا ، يتناول المسكر ، ويفعل المنكر ” انتهى من ” سير أعلام النبلاء ” (4/37)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (3/413)

وبناء على ما سبق فلا نرى جواز إضافة الدعاء بـ ” رضي الله عنه “، أو ” عليه السلام ” لاسم يزيد بن معاوية ، ففي ذلك تزكية لا يستحقها فيما يظهر لنا ، والله يتولى السرائر .

وللتوسع في قصة يزيد بن معاوية والمداولات التاريخية في عهده وأثرها في الكلام على شخصه ، يمكن مراجعة رسالة علمية بعنوان : ” مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية ” للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني ، أجيزت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، بإشراف الدكتور أكرم العمري ، وأخص من هذه الرسالة المبحث الخامس بعنوان : يزيد بن معاوية والاتهامات (ص/701-731)
والله أعلم .

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك