هل كان الرجل من الصحابة يعيش مع أبيه بعد زواجه أم ينتقل لبيت آخر؟

هل عاش الصحابة رضوان الله عليهم مع والديهم بعد زواجهم أم انتقلوا لمنزل مستقل؟...

هل كان الرجل من الصحابة يعيش مع أبيه بعد زواجه أم ينتقل لبيت آخر؟

س
هل عاش الصحابة رضوان الله عليهم مع والديهم بعد زواجهم أم انتقلوا لمنزل مستقل؟
جــــ

العادة الغالبة في حياة الصحابة رضي الله عنهم ، هي المعهود من أمر الناس : أن الرجل كان إذا تزوج اتخذ لنفسه بيتا غير بيت أبيه ، لا اختصاص لشأن الصحابة بشيء في ذلك.

وقد دل على ذلك غير ما حديث ، ومن ذلك ما يلي :

ما رواه عبد الرزاق في “مصنفه” (19822) بإسناد صحيح من طريق معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، قال: ” بلغ عمر أن صفية امرأة عبد الله بن عمر سترت بيوتها بقرام أو غيره ، أهداه لها عبد الله بن عمر ، فذهب عمر وهو يريد أن يهتكه ، فبلغهم فنزعوه ، فلما جاء عمر لم يجد شيئا ، فقال : ما بال أقوام يأتوننا بالكذب ” .

ووجه الدلالة من ذلك أن عمر عندما بلغه أن زوجة ابنه عبد الله سترت بيوتها بقرام ، ذهب إلى بيت ولده، إلا أنهم نزعوه قبل وصوله ، فهذا يدل على أنهم ما كانوا يعيشون في مسكن واحد .

ومن ذلك ما أخرجه النسائي في “سننه” (2389) بإسناد صحيح من طريق يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو:

” أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ ، فَكَانَ يَأْتِيهَا فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا ، فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا ، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ !!

فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: (ائْتِنِي بِهِ).

فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ ، فَقَالَ: ( كَيْفَ تَصُومُ؟ ) قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ .

قَالَ: (صُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ: (صُمْ يَوْمَيْنِ وَأَفْطِرْ يَوْمًا )، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ:(صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ ، صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ) ” .

وأخرج النسائي أيضا في “سننه” (2392) بإسناد حسن ، من طريق مُحَمّد بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ” دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قُلْتُ : أَيْ عَمِّ حَدِّثْنِي عَمَّا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا ، حَتَّى قُلْتُ لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ ، وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَانِي حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ فِي دَارِي ، فَقَالَ ( بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ ) فَقُلْتُ : قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : (فَلَا تَفْعَلْ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) قُلْتُ : إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : (فَصُمْ مِنْ الْجُمُعَةِ يَوْمَيْنِ: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ) ، قُلْتُ فَإِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ ، قَالَ : (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، فَإِنَّهُ أَعْدَلُ الصِّيَامِ عِنْدَ اللَّهِ ؛ يَوْمًا صَائِمًا ، وَيَوْمًا مُفْطِرًا . وَإِنَّهُ كَانَ إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ ، وَإِذَا لَاقَى لَمْ يَفِرَّ) ” .

ووجه الدلالة أن عبد الله بن عمرو بن العاص عندما تزوج : كان والده يأتيه فيسأل زوجته عن حاله معها ، فلما علم أنه منشغل بالعبادة عن زوجته شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءه إلى داره ، فدل على أن عبد الله بن عمرو عندما تزوج كان له مسكن غير مسكن أبيه .

ثم إنه قد جاء في القرآن التفريق بين بيوت الآباء وبيوت الأبناء ، كما في قوله تعالى 🙁 لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) النور/61.

وقد قال مجاهد في تفسير هذه الآية :” ” كَانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالْأَعْمَى وَالْمَرِيضِ وَالْأَعْرَجِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ إِلَى بَيْتِ أَخِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ خَالِهِ، أَوْ خَالَتِهِ، فَكَانَ الزَّمْنَى يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ , يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَذْهَبُونَ بِنَا إِلَى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لَهُمْ ” أخرجه الطبري في “تفسيره” (17/368) بإسناد صحيح .

قال ابن عاشور في “التحرير والتنوير” (18/301) :” وَعَطَفَ عَلَى بُيُوتِ أَنْفُسِهِمْ، بُيُوتَ آبَائِهِمْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ ، مَعَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْآكِلِينَ مِنَ الْآبَاءِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ كَائِنُونَ مَعَ الْآبَاءِ فِي بُيُوتِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ ، فَقَدْ كَانَ الِابْنُ إِذَا تَزَوَّجَ بَنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا، كَمَا فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ” انتهى .

إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون في الصحابة من يسكن مع أبيه بعد زواجه ، في دار تجمعهم .

ويشير إلى ذلك قصة فاطمة بنت قيس ، حيث أنه قد روى الطحاوي في “شرح معاني الآثار” (3/69) بإسناد صحيح من طريق عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ:”أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا؟ فَقَالَ: فِي بَيْتِهَا ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَتَنَتِ النَّاسَ , وَاسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَكْفُوفَ الْبَصَرِ”.

قال ابن عبد البر في “الاستذكار” (6/158):” أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ وَتَذْهَبُ إِلَى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ لَمْ يَبُحْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهَا الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ إِلَّا لِمَا كَانَتْ طُلِّقَتْ فِيهِ مِنَ الْبِذَاءِ بِلِسَانِهَا عَلَى قَرَابَةِ زَوْجِهَا السَّاكِنِينَ مَعَهَا في دار واحدة ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَهُمْ فِي شَرٍّ لَا يُطَاقُ ” انتهى .

لكن لا يلزم من ذلك أن تكون تلك الدار : مشتركة المرافق ـ شقة واحدة ، في عرف الناس اليوم ـ ، فليس في الرواية شيء من تفاصيل تلك الدار ، ولا حالها .

فمما سبق يتبين أن الغالب على حال الصحابة : إذا تزوج الرجل منهم انتقل إلى بيت غير بيت أبيه ، وربما سكن مع أبيه .

والأمر في ذلك واسع ، بحسب الحال .

والله أعلم .

ذات صلة
صنعك الوليمة لوالدك المتوفى بدعة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... سؤالي هو: شخص توفي والده ويريد أن يدعو الناس الذين جاءوا لتعزيته لوليمة...
المزيد »
صنع الولائم في العزاء من البدع المنكرة
ما هو حكم إقامة مأدبات الطعام في العزاء؟
المزيد »
حكم تشييع الجنازة بالأناشيد الإسلامية
من فلسطين أرض الرباط : هل يجوز إذاعة الأناشيد الإسلامية في تشييع جنازات الشهداء؟
المزيد »
تخصيص قراءة الفاتحة بعد صلاة الجنازة محدث
بسم الله الرحمن الرحيم ما حكم من يقرأ سورة الفاتحة بعد الانتهاء من صلاة الجنازة أي قبل حمل الجنازة إلى...
المزيد »
يقتصر في الموعظة والدعاء أثناء الدفن على المأثور
يرجى التكرم بالإجابة على سؤالي حسب ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة وعن سلف هذه الأمة: كنت في مقبرة لدفن...
المزيد »
حكم قراءة الفاتحة بعد صلاة الجنازة
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته هناك عادة في إحدى مناطق الجزائر يقرؤون الفاتحة...
المزيد »
حكم الجهر بالذكر خلف الجنازة
ما حكم الذكر بالجهر جماعة وراء الجنازة ؟
المزيد »
قراءة القرآن على المقابر من المحدثات .
ما حكم قراءة القرآن على المقابر لو أن القارئ امرأة؟
المزيد »
تصرفات أهل الميت البدعية بعد موته لا يلحقه إثمها إلا إذا أوصى بها .
هل علينا إثم إذا حدث أثناء غسل الجنازة أو دفنها أو في العزاء أي نوع من البدع ونحن لسنا راضين ولكن تم...
المزيد »
الاجتماع لختم القرآن عند الميت وصنعة الطعام لهم لايجوز
السلام عليكم جرت العادة هنا في بلادي أنه عند موت أي إنسان يقوم أهل الميت بجلب مجموعة من حفظة القرآن ويقوم...
المزيد »
ذكرى الأربعين بدعة في الدين
هل ذكرى الأربعين للمتوفى حرام وما حكم الشرع فى ذكرى الأربعين والسنوية؟
المزيد »
لا فرق بين نزولهن من السيارات أو بقائهن فيها
هل يجوز اتباع النساء للجنازة من داخل السيارات مع عدم النزول منها في حالة الالتزام بعدم البكاء بصوت مرتفع...
المزيد »
قراءة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة على الميت بدعة
خطبنا خطيب وقال إنه لا يجوز دفن الميت بالليل، أرجو الإفادة وما حكم قراءة القرآن علي الميت حيث هنا في...
المزيد »
التأوه عند الألم جائز وتركه أولى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خيراً على هذا الموقع وبعد: فهل يجوز قول آه آه أو ياي ياي...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك