قصة شداد بن عاد وبيان بطلانها

ورد في الأثر أنّ شداد مات قبل أن يدخل جنته فهل يعرف الآن مكان هذه الجنة ؟...

قصة شداد بن عاد وبيان بطلانها

س
ورد في الأثر أنّ شداد مات قبل أن يدخل جنته فهل يعرف الآن مكان هذه الجنة ؟
جــــ

ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) الفجر/ 6 – 8 ، أن شداد بن عاد كان ملكا ذا بأس شديد ، ولما سمع بذكر جنة عدن التي وعد الله عباده المؤمنين قال : أبني في الأرض مثلها ، فبنى مدينة عظيمة هائلة ، فلما أتم بناءها، وسار إليها بأهل مملكته بعث الله عليها صيحة من السماء فهلكوا أجمعين ، ولم يدخلها شداد بن عاد هذا ولا من معه ، وصار خبر هذه المدينة وخبر هذا الملك من آيات الله في عباده وبلاده .
قال القرطبي رحمه الله :
” وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعَادٍ ابْنَانِ: شَدَّادٌ وَشَدِيدٌ، فَمَلَكَا وَقَهَرَا، ثُمَّ مَاتَ شَدِيدٌ، وَخَلَصَ الْأَمْرُ لِشَدَّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيَا، وَدَانَتْ لَهُ مُلُوكُهَا، فَسَمِعَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ: أَبْنِي مِثْلَهَا. فَبَنَى إِرَمَ في بعض صحاري عدن ، في ثلاثمائة سَنَةٍ ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ. وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ، قُصُورُهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَسَاطِينُهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَفِيهَا أَصْنَافُ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ الْمُطَّرِدَةِ. وَلَمَّا تَمَّ بِنَاؤُهَا سَارَ إِلَيْهَا بِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فَهَلَكُوا.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ : أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِمَّا ثَمَّ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَحْضَرَهُ، فَقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَى كَعْبٍ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هِيَ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ، وَسَيَدْخُلُهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِكَ، أَحْمَرُ أَشْقَرُ قَصِيرٌ، عَلَى حَاجِبِهِ خَالٌ، وَعَلَى عَقِبِهِ خَالٌ، يَخْرُجُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَبْصَرَ ابْنَ قِلَابَةَ، وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ ” . انتهى من “تفسير القرطبي” (20/ 47)

وقد أنكر العلماء المحققون هذه القصة ، وعدوها من خرافات القصاصين والمفسرين، ومما أخذوه عن كَذَبة بني إسرائيل .
قال ابن كثير رحمه الله :
” الْمُرَادُ إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ إِهْلَاكِ الْقَبِيلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِعَادٍ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ الَّذِي لَا يُرَد، لَا أَنَّ المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم.
وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، مِنْ ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قُصُورُهَا وَدَوْرُهَا وَبَسَاتِينُهَا، وَإِنَّ حَصْبَاءَهَا لَآلِئٌ وَجَوَاهِرُ، وَتُرَابُهَا بَنَادِقُ الْمِسْكِ، وَأَنْهَارُهَا سَارِحَةٌ، وَثِمَارُهَا سَاقِطَةٌ، وَدُورُهَا لَا أَنِيسَ بِهَا، وَسُورُهَا وَأَبْوَابُهَا تَصْفَرُّ، لَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٍ. وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ فَتَارَةٌ تَكُونُ بِأَرْضِ الشَّامِ، وَتَارَةٌ بِالْيَمَنِ، وَتَارَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَتَارَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ -فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ خُرَافَاتِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، مِنْ وَضْعِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّاسِ أَنْ تُصَدِّقَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ -وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلابة-فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ذَهَبَ فِي طَلَبِ أَبَاعِرَ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتِيهُ فِي ابْتِغَائِهَا، إِذْ طَلَعَ عَلَى مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ لَهَا سُورٌ وَأَبْوَابٌ، فَدَخَلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدِينَةِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَأَنَّهُ رَجَعَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قَالَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قِصَّةَ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ هَاهُنَا مُطَوَّلَةً جِدًّا !!
فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ لَيْسَ يَصِحُّ إِسْنَادُهَا، وَلَوْ صَحَّ إِلَى ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ أَصَابَهُ نَوْعٌ مِنَ الهَوَس وَالْخَبَالِ ، فَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ.
وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالطَّامِعِينَ وَالْمُتَحَيِّلِينَ، مِنْ وُجُودِ مَطَالِبَ تَحْتَ الْأَرْضِ، فِيهَا قَنَاطِيرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَلْوَانِ الْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ وَالْإِكْسِيرِ الْكَبِيرِ، لَكِنْ عَلَيْهَا مَوَانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالْأَخْذِ مِنْهَا، فَيَحْتَالُونَ عَلَى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّعَفَةِ وَالسُّفَهَاءِ، فَيَأْكُلُونَهَا بِالْبَاطِلِ ، فِي صَرْفِهَا فِي بَخَاخِيرَ وَعَقَاقِيرَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْهَذَيَانَاتِ، ويَطْنزون بِهِمْ [أي يسخرون ويستهزؤون بهم] .
وَالَّذِي يُجْزَمُ بِهِ أَنَّ فِي الْأَرْضِ دَفَائِنَ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامِيَّةً ، وَكُنُوزًا كَثِيرَةً، مَنْ ظَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَمْكَنَهُ تَحْوِيلُهُ .
فَأَمَّا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي زَعَمُوهَا : فَكَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ وَبُهْتٌ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُونَ إِلَّا عَنْ نَقْلِهِمْ ، أَوْ نَقْلِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْهَادِي لِلصَّوَابِ ” .
انتهى من “تفسير ابن كثير” (8/ 395-396) .
وقال ابن خلدون رحمه الله :
” وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسّرون في تفسير سورة والفجر
في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وصفت بأنّها ذات عماد أي أساطين …. ” .
وذكر مثل ما ذكره القرطبي ، ثم قال : ” وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض .
وصحارى عدن الّتي زعموا أنّها بنيت فيها : هي في وسط اليمن، وما زال عمرانه متعاقبا، والأدلّاء تقصّ طرقه من كلّ وجه، ولم ينقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الأخباريـّين ولا من الأمم .
ولو قالوا إنّها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه ، إلّا أنّ ظاهر كلامهم أنّها موجودة، وبعضهم يقول إنّها دمشق ، بناء على أنّ قوم عاد ملكوها ، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنّها غائبة ، وإنّما يعثر عليها أهل الرّياضة والسّحر، مزاعم كلّها أشبه بالخرافات ” .
انتهى من “تاريخ ابن خلدون” (1/ 18-19) .

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك