حكم المنع من التحدث مع الأجنبية لغير حاجة لا يتوقف على الإجماع

Picture of عبد الله الشريف

عبد الله الشريف

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
هل الحديث مع امرأة أجنبية لغير حاجة حرام بالإجماع؟ حيث إن كثيرًا من الناس اليوم يتحدثون مع نساء أجنبيات بحجة أنهم كالإخوة، ويخرجون سويًا إلى المطاعم وحدهم. سؤالي هو: هل يوجد إجماع على تحريم...

حكم المنع من التحدث مع الأجنبية لغير حاجة لا يتوقف على الإجماع

س
هل الحديث مع امرأة أجنبية لغير حاجة حرام بالإجماع؟ حيث إن كثيرًا من الناس اليوم يتحدثون مع نساء أجنبيات بحجة أنهم كالإخوة، ويخرجون سويًا إلى المطاعم وحدهم. سؤالي هو: هل يوجد إجماع على تحريم الحديث مع امرأة أجنبية لغير حاجة؟ وإن كان لا يوجد إجماع، فما هي أقوال أهل العلم في هذه المسألة، لأنهم يقولون: "ينبغي أن تصل رحمك كبنات عمك، وتزورهن من غير خلوة". فهل من الجائز أن أكلمهن هكذا، ونضحك سويًا؟! الذي يهمني في السؤال هو: هل يوجد إجماع أم لا؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فننوّه أولاً إلى أنّ العمل بالأحكام الشرعية لا يتوقف على ثبوت الإجماع عليها، ولكن من ترجّح عنده حكم بدليل شرعي -إن كان أهلا لذلك- أو بتقليد عالم ثقة؛ وجب عليه العمل به، ولا يسوغ له أن يترك العمل به لمجرد وجود خلاف في المسألة.

قال ابن عبد البر -رحمه الله- في جامع بيان العلم وفضله: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله. انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر؛ فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر؛ فإن ذلك وصف حادث بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن يسلكه من لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في نفس الأمر لطلب الاحتياط. انتهى من مجموع الفتاوى.

أمّا مكالمة الرجل للشابة الأجنبية، أو العكس لغير حاجة، فهو باب فتنة.

قال الخادمي ـ رحمه الله ـ في كتابه: بريقة محمودية -وهو حنفي-: التكلم مع الشابة الأجنبية لا يجوز بلا حاجة؛ لأنه مظنة الفتنة. اهـ.

والشريعة جاءت بسدّ الذرائع المُفْضِية إلى الحرام، فقد حرّم الله -تعالى- الزنا، ونهى عن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه؛ فقال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا {الإسراء:32}.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: يقول -تعالى- ناهيًا عباده عن الزنى، وعن مقاربته، وهو مخالطة أسبابه ودواعيه. انتهى.

ولذلك نصّ بعض أهل العلم على منع إلقاء السلام على الأجنبية عند عدم أمن الفتنة.

قال النووي -رحمه الله- في كتاب الأذكار: وأما المرأة مع الرجل، فقال الإِمام أبو سعد المتوليّ:

إن كانت زوجته أو جاريتَه أو محرما من محارمه، فهي معه كالرجل مع الرجل، فيستحبّ لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه.

وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتان بها، لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ لم يجز لها ردّ الجواب، ولم تسلّم هي عليه ابتداءً، فإن ‌سلَّمتْ ‌لم ‌تستحق ‌جواباً، فإن أجابها كُره له.

وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها، جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجل ردّ السلام عليها.

وإذا كانت النساء جمعاً، فيُسلِّم عليهنَّ الرجل، أو كان الرجالُ جمعاً كثيراً، فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهنّ ولا عليها أو عليهم فتنة. انتهى.

وقال ابن حجر -رحمه الله- تعليقا على ترجمة البخاري -رحمه الله- في صحيحه: “باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال”.

قال: والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة …..

وقال الحليمي: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- للعصمة مأمونا من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم، وإلا فالصمت أسلم. انتهى مختصرا.

وقال البهوتي -رحمه الله- في كشاف القناع: وإن ‌سلم ‌الرجل عليها أي: على الشابة لم ترده أي: السلام عليه، دفعا للمفسدة. انتهى.

ومحادثة الرجال للنساء لغير حاجة، على نحو ما هو شائع، في مواقع التواصل، والمتنزهات العامة وغيرها، وكذا خروج المرأة مع الرجل الأجنبي عنها إلى المطاعم، وأماكن الترفيه ونحوها، كل ذلك باب فتنة، وسبيل إلى شر عظيم، ولا يرتاب عاقل في منعه وكونه سببا إلى الفساد والوقوع في الفواحش.

أمّا الكلام مع الأجنبية عند الحاجة وأمن الفتنة؛ فهو جائز، ويدخل فيه ما يكون من صلة الأرحام غير المحارم، كأولاد العمّ والعمة، وأولاد الخال والخالة؛ فيجوز إلقاء السلام عليهن والكلام معهن بقدر ما تحصل به الصلة بشرط أمن الفتنة.

فقد ذهب الجمهور إلى استحباب صلة هؤلاء، وذهب بعض أهل العلم كالإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- إلى الوجوب، ولذلك جاء عنه الأمر بالسلام في مثل هذه الأحوال.

قال ابن مفلح -رحمه الله- في الآداب الشرعية: وقال مثنى: قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون له القرابة من النساء فلا يقومون بين يديه فأيش يجب عليه من برهم وفي كم ينبغي أن يأتيهم؟ قال: ‌اللطف ‌والسلام. انتهى.

وفيه أيضاً: وقد سأله -يعني الإمام أحمد- رجل عن ابنة عم له تنال منه، وتظلمه وتشتمه وتقذفه، فقال: سلم عليها إذا لقيتها، ‌اقطع ‌المصارمة، المصارمة شديدة. انتهى.

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك