بين العادة والعبادة

هل يوجد حل لمشكلة إلف العادة، أي إنني أشعر حين أقرأ سورة معينة أنني في خشوع جدا، وبعد توالي الأيام يضعف هذا الخشوع وكأن قلبي اعتاد فهم المعاني وتدبرها، واكتفى منها، وكذلك الحال عند...

بين العادة والعبادة

س
هل يوجد حل لمشكلة إلف العادة، أي إنني أشعر حين أقرأ سورة معينة أنني في خشوع جدا، وبعد توالي الأيام يضعف هذا الخشوع وكأن قلبي اعتاد فهم المعاني وتدبرها، واكتفى منها، وكذلك الحال عند الدعاء ببعض الأدعية، فهل هنالك حل؟
جــــ

أولًا :

“العادة” مفهوم محايد ، فمن الخير أن يعتاد الإنسان الخير ، وأن يكون ثابتًا يفعله الإنسان بلا تكلف ، وقد ورد في الحديث :  الْخَيْرُ عَادَةٌ ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ   ، رواه “ابن ماجه” (221) ، و”ابن حبان” في “صحيحه” (310) .

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:” كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ  وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ ” رواه البخاري(5861) ، مسلم(782).

وكما قال أبو الطيب : ” لكل امرئ من دهره ما تَعَوَّدَا ” .

ومن المعلوم أن من أعظم أسباب استقامة العبد في سيره إلى الله : أن يكون له طاعات يلازمها، ويحافظ عليها، ويعتادها، لا يفرط فيها ولا يتهاون، ولا يتكاسل عنها، وهكذا كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم “ديمة”؛ أي: دائما، ثابتا، مستمرا . وكان أهله إذا عملوا عملا: أثبتوه.

ثانيًا :

أما “العادة” بمعنى : أن لا يشعر الإنسان بالعبادة ، فيفعلها بصورة آلية لا روح فيها ، فإنه خطر ينبغي على الإنسان أن ينتبه إليه .

فإن الأجر مرتب في العبادة على حضور القلب فيها ، كما قال سبحانه :  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ  المؤمنون/ 1- 2 .

فمن المهم أن يكون القلب حاضرًا في العبادة غير منشغل عنها .

وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

” قرأت في أحد الكتب نصيحة وهي ألا تجعل من عبادة الله عادة، كيف يجعل المسلم من عبادة الله عبادة لله وليست عادة اعتادها. جزاكم الله خيرًا؟”

فأجاب:

” المعنى: لا تصلها كعادة؛ صلها قربة، أن تتقرب بها إلى الله، ما هو من أجل العادة. إذا صليت الضحى، صلها لأجل التقرب إلى الله، ما هو لأنها عادة. وهكذا إذا صليت التهجد بالليل، تصليها لأنها قربة، لأنها طاعة، ما هو لمجرد العادة، أو لأنه فعلها أبوك أو أمك…” .

ثالثا:

ومما يعين على حضور القلب في العبادة :

1- تنويعها ، فينوع الإنسان العبادات ، من صلاة ، وتلاوة قرآن ، وذكر ، وصدقة ، وبر والدين ، وصلة أرحام ، وزيارة مرضى ، وتشييع جنازة .. ومن رحمة الله وفضله أن العبادات كثيرة ومتنوعة .

2- الصبر على استحضار النية حال العمل .

قال “ابن القيم” في “عدة الصابرين” (65 – 66):

” … الصبر حال العمل: فيلازم العبد الصبر عن دواعي التقصير فيه والتفريط، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية، وعلى حضور القلب بين يدى المعبود ، وأن لا ينساه في أمره ، فليس الشأن في فعل المأمور، بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الآمر حال الإتيان بأمره ، بل يكون مستصحبًا لذكره في أمره .

فهذه عبادة العبيد المخلصين لله ، فهو يحتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها ، بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها ، وإلى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها ، ولا يشتغل عنه بعبادته ، فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه ، عن قيام جوارحه بعبوديته ، ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه “، انتهى .

3- الاجتهاد في الدعاء .

وهو من أعظم الأسباب المعينة على استحضار معية الله ، وعونه للعبد .

4- ألا يترك العمل .

فإن هذا من وسائل الشيطان ، أن يثبط الإنسان عن العمل لعدم حضور القلب ، فليحذر المؤمن ، وليستمر على العمل .

5- التهيؤ للعبادة والاستعداد لها ، والابتعاد عما قد يشغل القلب .

وعن عائشة أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال :  لا يُصلَّى بحَضْرِةِ الطَّعام ، ولا وهو يُدافِعُهُ الأخبَثان  ، رواه “أبو داود” (89).

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك