التعليق على مقولة “أعذرُ ربي يوم أن فعل بي كذا وكذا”

هل يجوز قول الرجل : ( بعذر الله بي يوم أنه سوى بي كذا وكذا ) ؟...

التعليق على مقولة “أعذرُ ربي يوم أن فعل بي كذا وكذا”

س
هل يجوز قول الرجل : ( بعذر الله بي يوم أنه سوى بي كذا وكذا ) ؟
جــــ

إن الإسلام عظَّم شأن الكلمة التي يتكلم بها المرء , ولذلك جاء التحذير من إلقاء الكلام على عواهنه ، قال تعالى : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ 18 .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (6113) .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (5672) ومسلم (47) .

قال النووي رحمه الله :

إذا أراد أن يتكلم : فإن كان ما يتكلم به خيراً محقّقاً يثاب عليه ، واجباً ، أو مندوباً : فليتكلم , وإن لم يظهر له أنه خيرٌ يثاب عليه : فليمسك عن الكلام ، سواء ظهر له أنه حرام ، أو مكروه ، أو مباح مستوي الطرفين ، فعلى هذا : يكون الكلام المباح مأموراً بتركه ، مندوباً إلى الإمساك عنه ، مخافة من انجراره إلى المحرم ، أو المكروه , وهذا يقع في العادة كثيراً ، أو غالباً ، وقد قال الله تعالى : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .

“شرح مسلم” (2/19) .

وهذه الجملة الوارد ذِكرها في السؤال : قبيحة اللفظ ، سيئة المعنى ، وهي تحتمل في طياتها معنى لا يليق بالله سبحانه , وكأن العبد له أن يعذر الله ، أو لا يعذره ! أو ربما لا يعذره في بعض الأمور ؛ لأن الله – في ظنه – يظلمه – والعياذ بالله- , والله تعالى يقول : (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/23 ، وذلك لكمال حكمته وعلمه وعدله ومشيئته ، ويقول : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/44 .

قال ابن كثير رحمه الله في بيان حكمة الله فيما يشرع :

فهو الحاكم ، المتصرف في ملكه بما يشاء ، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون ؛ لعلمه ، وحكمته ، وعدله ، ولهذا قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/ 44 ، وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ربه عز وجل : (يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمُ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُم مُحَرَّماً فَلاَ تَظَالَمُوا) – رواه مسلم –

“تفسير ابن كثير” (4/271) .

ومن اعتقد في ربه تعالى أن له كمال العلم ، وكمال العدل ، وكمال الحكمة : لم تصدر منه هذه الكلمة ، ولا مثيلاتها ، وليعلم كل عبدٍ أن الله تعالى لا يؤاخذه على كل ما يعمل ، وأنه لو آخذ تعالى الناس بكل ما عملوا ما ترك على ظهر الأرض أحداً ، ولذا فإنه تعالى يعفو عن كثير ، وما يؤاخذ به فهو القليل من أفعال العباد ، قال تعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/61 ، وقال تعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) فاطر/ 45 .

والصحيح في هذه الآيات ومثيلاتها أنها عامة في الكفار والمسلمين ، كما حققه العلاَّمة الشنقيطي في “أضواء البيان” (2/390 – 393) .

وبه يعلم المسلم أن ما أصابه من مصائب وعقوبات إنما هو بسبب ذنوبه ، وما اكتسبته يداه ، ولم يظلمه ربه تعالى ، بل قد عفا عن كثيرٍ من زلاته ، كما قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/30 .

قال ابن كثير رحمه الله :

وقوله : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي : مهما أصابكم أيها الناس من المصائب : فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم ، (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي : من السيئات ، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) فاطر/ 45 .

“تفسير ابن كثير” (4/433) .

فالله تعالى لا يحتاج أن يعذره عباده ، فهم الظالمون لأنفسهم ، والمقصرون في شكر نعمه ، والقيام بحقه .

فعلى المسلم ألا يتلفظ بهذه الكلمة ، ومن تلفظ بها فعليه أن يتوب منها ويستغفر ، ويندم على قولها، ويعزم على عدم العود لها .

وهذا الذي قلناه إنما هو بحسب ما ظهر لنا من معنى الكلمة ، فإن كان المتكلم بها يريد معنىً آخر ، فالله أعلم .

والله أعلم

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك