ابنها المراهق مدمن مشاهدة مسلسلات الأنمي

ابني عمره ١٦ عاما، اكتشفت أنه يتابع على جواله وعلى جهاز اللابتوب الإنمي، وأنا أحضرت لأبنائي قناة بسمة للرسوم المتحركة الخالية من المنكرات الشرعية، لكنها للأطفال، ولم تعد ترضيه، المهم أن هذا الإنمي منتج...

ابنها المراهق مدمن مشاهدة مسلسلات الأنمي

س
ابني عمره ١٦ عاما، اكتشفت أنه يتابع على جواله وعلى جهاز اللابتوب الإنمي، وأنا أحضرت لأبنائي قناة بسمة للرسوم المتحركة الخالية من المنكرات الشرعية، لكنها للأطفال، ولم تعد ترضيه، المهم أن هذا الإنمي منتج أساسا للمراهقين، وفي أحدها حين بحثت عنه وجدت أنه لمن تزيد أعمارهم عن ١٧ عاما، ولأني كنت مبتلاة بمشاهدة كونان، وأعرف مقدار الفساد والانحراف فيها، فاعرف الحكم، وحاولت إقناعه، لكن لا فائدة، سطوة هذه الأفلام كبيرة، حتى أنا أمه بالكاد تخلصت منها، وأخشى أنني السبب، لأنه عرف أنني كنت أتابعها، المشكلة إنني سحبت منه الأجهزة لمدة أسبوع، واليوم أخذ الجوال ثانية، وهو يخبرني أنه لن يتوقف، وأنه سيستمر في المشاهدة، ولكونه مراهق ويخرج فأنا لا أدريإأن كان من الصواب أن أسحب منه الأجهزة دائم، فهوعنيد، وقد يدفعه ذلك لمزيد من الإقبال، ولو بطرق اخرى عند أصدقائه، لا أدري، أنا مشوشة، ولا أدري هل أتركه، وأقول إنه أفضل من أن يشاهد الكوري كما هم من حولنا؛ لأن بيئتنا غير نظيفة للأسف، مع إني بفضل الله ملتزمة، لكن للأسف الأهل ليسوا كذلك، بالأمس قال لي أفكارك معقدة، وأنا لا أدري هل يجوز لي أن أبقي الأجهزة معه، وأنا أعلم بأنه سيشاهد هذا الفساد، أم يجب شرعا سحبها، وليفعل مايفعل؟ النصح لا فائدة منه؛ لأنه مع الأسف دنيوي ومادي، ما يهتم سوى بكيف يستمتع بالرحلات، أو بالمال، أو أطايب الطعام، مع إنه حافظ للقرآن، والله المستعان . فهل يجوز أن أبقي الأجهزة بحوزته أم أسحبها منه، ولو أدى ذلك لأن يشاهدها بطرق أخرى خارج البيت؟
جــــ

أولا:

ينبغي التنبه إلى أن التربية نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يجب مراعاة نتائج الأساليب المتبعة في هذا الأمر والنهي، فيجب توخي الأصلح منها وهو الذي يؤدي إلى تكثير المصالح وتقليل المفاسد.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

” النبي صلى اللَّه عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبّه اللَّه ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى اللَّه ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان اللَّه يبغضه ويمقت أهله …

فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى : أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية : أن يقل وإن لم يُزل بجملته.

الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأُوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة ” انتهى من ” أعلام الموقعين ” (4 / 338 – 339) .

وبناء على ما ذكرت من حال ولدك ، وأنه قد خرج عن حد السيطرة ؛ فيجب أن توازني بين حرمان ولدك من هذه الأجهزة ، فيذهب إلى صحبه ورفاقه، وبين تركها في يده يشاهد مثل هذه البرامج، فتنظري أيها أقل شرا ومفسدة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

” وتمام “الورع” أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ؛ وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية ، والمفسدة الشرعية : فقد يدع واجبات ، ويفعل محرمات ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (10 / 512).

والذي يظهر – والله أعلم – أن ترك هذه الأجهزة في يده ، إن كان يترتب عليه بقاؤه في البيت، مع مداومة النصح باللطف ، وإشعاره بالمراقبة، فلا يترك وحده مع هذه الأجهزة في غرفة مغلقة، والتخفيف من تعلقه وانشغاله بها قدر الطاقة ، ومقايضته بذلك عن أعمال الخيرات التي تطلب منه ، وقيامه بالنافع من أمره : فالظاهر أن تركها معه على هذه الحال، أصلح من نزعها منه فيذهب إلى صحبه الذين هم مدمنون كإدمانه ، ويشعر بحرية مطلقة في اختيار ما يشاهده ، ولا يشعر برقيب يلحظه ، فيزداد الخطر عليه وربما ضيع صلواته، وربما تعلم منهم شيئا من السلوكيات السيئة.

كما عليك أن تزاحميه بأن تشغليه في مجلسه بشيء ، كبرنامج نافع علمي أو وثائقي ونحوه، فلعله بمرور الأيام يألفها ، وينجذب إليها ، فتلهيه عن هذه المسلسلات ، ويتجه إلى الأمور النافعة.

ثانيا :

مما يسهّل علاج المدمن على هذه الأشياء : توفير البديل الآمن، ويكون حسنا لو يراعى فيه ما يهواه، فقد ذكرت أن ولدك يهوى تذوق الأطعمة والتجول؛ فعليك وعلى والده أن تستغلوا هذه الصفة فترتادون به أحيانا حلق الذكر والدعوة ، وتميلوا قلبه إليها بجولة ، أو وجبة يحبها بعد هذه الدروس، فلعل هذا أن يحفزه إلى ارتياد هذه الدروس والمواعظ.

وكذا إشغاله بناد رياضي مأمون يمارس فيه رياضة يهواها، ونحو هذا من الأنشطة الثقافية النافعة.

وللأهمية طالعي جواب السؤال رقم : (210867).

ثالثا :

التربية الصالحة من شروطها وجود المجتمع السليم الذي يحتوى الولد ويحميه ويحفزه نحو الخير.

فيحسن بالوالدين اللذين يعانيان مثل معاناتك أن يوفرا جوا إيمانيا في البيت؛ وذلك بتحييد صغائر الأمور وعدم إكثار النقاش حولها، وإظهار تعظيم أمر الطاعة لله سبحانه وتعالى، ومن ذلك المحافظة على الصلاة النافلة في البيت، والمحافظة على صيام التطوع مع إفطار يجمع الأسرة، وكذا ترتيب لقاء دعوي في البيت – مرة في الشهر مثلا – يجمع الأسرة ويدعى إليه من له علم ومعرفة بخطاب المراهقين ، تثار فيه مواضيع تشعر الولد بدوره في هذه الحياة، وتحذره من العواقب الخمية لتضييع الأوقات فيما لا نفع فيه.

وكذا يحسن أن تصادق عائلتك عائلة صالحة لها أولاد صالحون في عمر ولدك يزورونه ويزورهم، وفي الوقت ذاته عليك بتقييد تواصله بأقربائه غير الملتزمين، فيكتفى بالتواصل معهم بما يحقق صلة الرحم.

عن أَبِي مُوسَى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:   مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً  رواه البخاري (5534) ومسلم (2628).

قال النووي رحمه الله تعالى :

” وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة ” انتهى من “شرح صحيح مسلم” (16 / 178).

رابعا:

التربية وجه من أوجه الدعوة إلى الله تعالى، فعلى الوالد والوالدة أن يكتما غيظهما ويكون نصحهما بالحكمة والحسنى.

قال الله تعالى:  ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ   النحل/125.

ولا يعالجا الأخطاء بالغضب والصراخ ، فهذا كله يزيد من نفور الولد وعدم شعوره بالراحة والمودة في البيت ، فيبحث عنهما خارج البيت وهذا خطر عظيم.

قال الله تعالى:  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ   آل عمران/159.

خامسا:

عليك أن لا تغفلي عن أولادك الصغار، فحاولي من الآن أن تقللي من ساعات جلوسهم إلى الشاشة لمشاهدة الرسوم المتحركة حتى ولو كانت خالية من المخالفات الشرعية؛ لأن ضررها يتمثل في أن الإدمان عليها يدفعهم عند كبر سنهم ، إلى البحث عما يناسب سنهم ، فلا يجدوا محتوى نظيفا ، فيخاف عليهم أن يندفعوا إلى ما فيه محرمات.

فإذا كانوا في سن الدراسة فيجب أن يكون لهم برنامج تعليمي يوميًا ، وذلك بأن يقوموا بواجباتهم المنزلية ، ووردهم اليومي ، من حفظ القرآن وكذا المطالعة المفيدة ، ولا يجلسوا إلى الشاشة إلا لأخذ قسط من الراحة ، وكمكافأة لهم خلال ساعات هذا البرنامج أو بعده.

وعوديهم على أن التسلية تكون بالمطالعة أيضا والألعاب الحركية الآمنة.

ومع الاجتهاد في الحيطة ، والعناية بالتربية ، والأخذ بأسباب الصلاح ؛ فعلى المسلم أن يعلم أن الهداية بيد الله تعالى ، فيتضرع إلى الله سبحانه وتعالى خاصة في أوقات الإجابة ؛ بأن يصلح ولده ويهديه وينبته نباتا حسنا.

نسأل الله تعالى أن يزيل همك وأن يصلح أولادنا وأولاد جميع المسلمين.

والله أعلم.

ذات صلة
لا أثر لكتمان المرأة سنها الحقيقي على صحة العقد
أنا خالتي عندها 35 سنة، وكانت مخطوبة أكثر من مرة، ولم يحدث الزواج، ثم تقدم لها إنسان محترم جدا، ولكن...
المزيد »
الأخ إن بلغ الحلم فهل يصلح لولاية تزويج أخته
هل يمكن للذي احتلم حديثا " وعمره 14 سنة أن يكون وليا" لأخته في عقد النكاح إذا كان الأب متوفى والأجداد...
المزيد »
نكاح الخادمة
هل يجوز نكاح الخادمات؟ وإذا كان يجوز، فهل يوجد شروط؟
المزيد »
مسائل في التوكيل في عقد النكاح
لدي سؤال حول النكاح، انا أعمل مأذونا في كتابة عقود النكاح، وسؤالي هو: هل يشترط علي أن أسال البنت هل هي...
المزيد »
حكم زواج الثيب بدون ولي
أعرف امرأة قد طُلقت، ثم أتعبها أهلها في بيتهم بعدما رجعت إليهم، فهربت إلى منزل أصحابها، ثم تزوجت بابنهم،...
المزيد »
حكم زواج المرأة بدون ولي عملا بمذهب الأحناف
أنا فتاة أبلغ 22 سنة، أعيش في مصر، أنا مصرية. وقد قمت بتزويج نفسي بدون ولي، على المذهب الحنفي، ببلدي؛...
المزيد »
حجة الحنابلة في وجوب تقدم الإيجاب على القبول في عقد النكاح
ما هو الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة الذي يستند عليه الحنابلة في قولهم أن الإيجاب يجب أن يكون من ولي...
المزيد »
دخل بامرأة بعد إقامة زفاف قرأت فيه الفاتحة
ما حكم الشرع في سيدة مطلقة تزوجت برجل متزوج، وهي تعيش معه الآن في بيت دون عقد الزواج، علما أنه طلب يدها...
المزيد »
انتحلت شخصية أختها ووقعت عنها عقد زواجها
لي أخت تقطن في بلد أجنبي، ولكي تعود إلى الوطن الأم لابد أن تتزوج حتى يسمح لها بالذهاب والعودة، والزواج...
المزيد »
مسألة حول الوكالة في الزواج
الزواج بالوكالة في بلدي يتم علي النحو التالي ومن غير حضور الزوج: في مسجد يأتي وكيل المرأة- أبوها أو عمها...
المزيد »
هل يشترط الولي ليصح نكاح الرجل
سؤالي هو هل الولي للرجل شرط من شروط النكاح؟ وهل غيابه يفسد صحة النكاح ؟ و جزاكم الله عنا كل خير.
المزيد »
لا تزوج المرأة نفسها ولو كانت كتابية
هل للكتابية أن تقوم بتزويج نفسها لمسلم إذا رفض القاضي تزويجهما لأسباب قانونية تتعلق بضرورة حصولها على...
المزيد »
لابد من الولي للمرأة بكرا كانت أم ثيبا
أنا أريد الزواج من امرأة عمرها 34 سنة ومطلقة، وعندها بنت، وأنا عمري 23 سنة ولم أتزوج من قبل، ولكنها يوجد...
المزيد »
موافقة المرأة على الزواج من رجل حياء من أهلها ليس إكراها ضرورة
الشبكة الإسلامية، قسم الفتوى: أنا من متابعي الشبكة والمستفيدين منها، ولي سؤال يؤرقني ورجائي أن أجد منكم...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك